المقاومة والمشروع الوطني الديمقراطي


د. أحمد مجدلاني
تتكرر الأحداث المأساوية في العديد من المحافظات الشمالية، وخصوصا جنين، التي دفعت ثمنا باهظا من دماء أبنائها ومن مقدراتها المادية والبشرية وبنيتها التحتية، وتأثرت غالبية القطاعات الاقتصادية سلبا خصوصا قطاع التجارة والخدمات، مع أبناء شعبنا داخل الخط الأخضر وهي المحافظة والسوق الاقتصادي الأقرب للتسوق نظرا لفارق الأسعار ونوعية الخدمات المقدمة قياسا لما هو متاح في السوق الإسرائيلي.
وتتعالى بين فترة وأخرى أصوات معروفة اللون والانتماء والتمويل بالدعوة الى مقاومة الاحتلال بشكل استعراضي بالشوارع والساحات العامة، وتتحول هذه المقاومة الى ترويع السكان الأمنيين، والى نشر الذعر بين المواطنين وتهديد السلم الأهلي والمجتمعي جراء حالات القتل التي تقع اثناء التراشق بالنيران أو استخدام الأسلحة بالمناسبات الاجتماعية.
وتضيع بوصلة المقاومة وتتحول لاستهدف المقرات الأمنية ومقر المحافظة، بما في ذلك الاستيلاء على معدات الوزارات ومؤسسات السلطة الوطنية التي هي اولا وأخيرا ملك الشعب الفلسطيني، ويجري استعراضها بالشوارع بشكل مثير للاستفزاز وهي محملة بشبان ملثمين يحملون اعلاما وشعارات لا تمت لفلسطين وشعبها وقضيتها بصلة، وإنما تؤكد مرجعياتهم لأطراف خارجية، والأخطر من ذلك الأعلام الداعشية التي تصورها وسائل العلام الغربية ، والإسرائيلية للترويج ان مدينة جنين ومخيمها اصبح ملاذا لداعش او لتنظيمات إرهابية متطرفة لتبرير اقتحام المدينة والمخيم وتدميره على من فيه بذريعة ملاحقة الإرهاب .
ويحظى هذا العدوان الإسرائيلي المبيت بدعم الإدارة الامريكية وأوساط غربية مختلفة بما فيها دول صديقة للشعب الفلسطيني بذريعة مكافحة الإرهاب بينما هو بالواقع يستهدف قبل كل شيء تدمير مقومات صمود شعبنا وقدراته، وسلطته السياسية وكيانه الوطني، وكان الجميع مستهدف لكونه يشكل حاضنة للإرهاب وهي الرواية القابلة للتصديق في الغرب.
نعم المقاومة حق مشروع لكل الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، ويكفل هذا الحق ميثاق الأمم المتحدة والشرائع الدولية، والثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت في بداياتها عام 1965، وتعمقت بعد نكسة 1967 بالإنطلاقة الثانية وبزوغ فصائل فلسطينية مقاتلة بمشارب فكرية وسياسية متعددة شكلت بمجملها الحركة الوطنية المعاصرة، التي استطاعت بتضحياتها وصمودها ونضالها نقل قضية الشعب الفلسطيني من قضية لاجئين الى قضية سياسية على جدول أعمال المجتمع الدولي، وبدخول الفصائل لمنظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها، وامتلاكها لقرارها الوطني المستقل استطاعت ان تنتزع حق تمثيلها الوحيد للشعب الفلسطيني .
نعم المقاومة حق مشروع مارسناه بكل قوة وشجاعة دفاعا عن الشعب والثورة في مواجهة الاحتلال، ودائما كنا نختار الاشكال والأساليب النضالية طبقا للظرف الملموس بما يخدم قضيتنا وشعبنا ولم نغلب شكلا نضاليا على آخر إلا بما يخدم نضالنا ويحقق مكاسب سياسية في الساحة الدولية، تكللت بنهاية المطاف بالاعتراف الدولي الواسع بدولة فلسطين، وتمثيلها بالمنظمات الدولية بما فيها المحاكم الدولية التي تلاحق قادة الاحتلال الإسرائيلي.
لكن لم تكن البندقية الفلسطينية في يوم من الأيام برسم الايجار او التوظيف لخدمة أهداف طرف إقليمي، أيا كانت صفته او دوره او مستوى دعمه للشعب الفلسطيني.
ان المهمة المركزية الآن وفي ظل عملية الإبادة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني بقطاع غزة، والتدمير الممنهج بالضفة الغربية والتطهير العرقي لسكانه، مع تصاعد مخططات الضم التي يعلن عنها سيموترتيش بالوكالة عن حكومة نتنياهو تزداد المخاطر والتحديات امام شعبنا، وتنتصب مهمة الحفاظ على منجزات شعبنا الأولوية القصوى وفي مقدمة ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية اول كيانية سياسية فلسطينية على الأرض الفلسطينية.
حماية منجزنا الوطني هي بالتوقف عن العبث بأمنه وأمن المواطن والمساس بحياته وممتلكاته، وعدم تعريض الأمن القومي للخطر بتوفير المبرر والذريعة للاحتلال لتدمير ما تبقى من منجزات شعبنا بالضفة، ومقدراتنا الوطنية وكياننا السياسي.
ان من يريد انقاذ غزة لا يمكن ان يتم عبر تدمير الضفة، بل بالحفاظ على ما هو موجود تحت أيدينا من إمكانيات من أجل اسعاف غزة وإنقاذ شعبنا وتخليصه من كارثة المغامرات التي دفع ثمنها عبر حروب قادة الانقسام، ليس فقط لأنها غير متكافئة، بل ولأنها في غالبية الأحيان خدمة لأجندات ومصالحة إقليمية وأوهام بلعب دور البديل.
إنقاذ شعبنا بغزة يتطلب قبل كل شيء وحدة قوانا ووحدة قرارنا الوطني المستقل، لوقف العدوان أولا، ولفتح المعابر وإغاثة شعبنا المكلوم، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي بدون قيد او شرط، واليوم التالي لغزة لا ينفصل عن اليوم التالي للضفة تقرره القيادة الشرعية الفلسطينية، عبر حكومتها التي تمارس مهامها في شطري الوطن طبقا للقانون.
نعم سلطة وطنية واحدة، وقانون ونظام واحد، وسلاح شرعي واحد، وغير ذلك هو خارج عن الشرعية الوطنية مهما تلبس من لبوس وحمل اعلاما وشعارات غير فلسطينية.
نضال الشعب