حماس وعودة تظهير مشروعها البديل للمنظمة والدولة


بقلم: د. أحمد مجدلاني
لم تتخل حماس عن مشروع أن تكون بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، منذ انشاء المجمع الإسلامي في قطاع غزة بترخيص إسرائيلي، في وقت كانت تبحث فيه حكومة الاحتلال عن بدائل لمنظمة التحرير، لتمرير مشروعها التصفوي آنذاك المسمى بروابط القرى.
ما يعيد طرح الموضوع الآن، هو توقيت ارسال حركة حماس رسالتها للأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيرتش، ولا نغفل حقها السياسي كتنظيم أن تعرض للعالم كافة الأوضاع الخطيرة والمأساوية التي تعرض وما زال شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وكذلك موقفها من المفاوضات التي جرت لأشهر طويلة برعاية أمريكية قطرية مصرية، واكتشفت أنها كانت غطاء لاستمرار حرب نتنياهو على شعبنا، وربما ليس الآن الوقت المناسب لطرح مسؤولية حماس الى جانب دولة الاحتلال عن الكارثة الوطنية التي ألمت بشعبنا الفلسطيني ليس فقط بقطاع غزة، وانما مست القضية الفلسطينية ومستقبل شعبنا وانجازاته الوطنية التي حصل عليها بتضحيات جسام .
ومن حقها أيضا أن تطرح رؤيتها السياسية وبالانقلاب الحاصل فيها والتحول للعقلانية والواقعية السياسية التي هبطت عليها فجأة وبقدرة قادر، الذي يأتي تساوقاً وانسجاماً مع البحث عن سلطة متجددة ترضي الإدارة الأمريكية وإسرائيل وبعض الأطراف الإقليمية المنخرطة بهذا الخيار، لكن الأهم من كل ذلك ان أوراق الاعتماد التي تقدمها حماس للأمين العام للأمم المتحدة وهو في واقع الحال ليس طرفاً مقرراً، رفضت حماس أن تقدمه في جولات الحوار بدءاً من القاهرة الى الجزائر وموسكو وأخيراً في بكين، وكانت تتمسك بموقفها الرافض للاعتراف بقرارات الشرعية الدولية وبالدولة على حدود عام 1967 وحتى أنها رفضت التوقيع على “اعلان بكين” لأنه تضمن القرار 194، لكنها في رسالتها للأمين العام للأمم المتحدة وفي سياق بحثها عن “حل” أبدت حركة حماس استعدادها إلى الانخراط في عملية سياسية شاملة، تستند إلى القرارات الدولية ذات الصلة لإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين.
نقول من حق حماس كتنظيم أن تخاطب العالم وتقدم رؤيتها وتناشد المجتمع الدولي بوقف حرب الإبادة على شعبنا، لكن ليس من حقها أن تقدم نفسها كبديل أو موازي لدولة فلسطين التي حظيت بهذه الدورة بمكانة الدول الأعضاء من حيث جلوسها على مقعدها الذي تستحق حسب التسلسل الأبجدي للدول، وحصلت على الحق بتقديم مشاريع قرارات بالأصالة عن نفسها وليس عبر طرف ثاني.
رسالة حماس الموجهة للأطراف الدولية المختلفة عبر صندوق بريد الأمين العام للأمم المتحدة، تريد من خلالها التأكيد أنه لا يوجد تمثيل موحد للفلسطينيين، ولا شرعية لما يمثله أو يقوله الرئيس محمود عباس في خطابه في الأمم المتحدة، وأن الشرعية الفلسطينية متنازع عليها، وما دام يدور الحديث عن مرحلة انتقالية في قطاع غزة فحماس جاهزة بحلتها السياسية الجديدة وربما باسم جديد لتنخرط فيها وتكون جزءاً منها ما دامت منظمة التحرير غير مقبولة، والسلطة لم تتجدد وفقاً للمعايير الأمريكية.
خطيئة حماس السياسية الكبرى بعد انقلابها على الشرعية الوطنية والنظام الديمقراطي الفلسطيني الذي مكنها من استلام السلطة وتشكيل حكومتها، ومغامرتها غير المحسوبة في السابع من أكتوبر العام الماضي والتي أوصلت الشعب الفلسطيني الى نكبة ثانية وكارثة سياسية وضعت الشعب الفلسطيني رغم التأييد الدولي لحل الدولتين على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية، الا أن هذا الاجماع مازال خاضعاً للشروط والاملاءات الأمريكية والرفض الاسرائيلي من حيث المبدأ لقيام الدولة الفلسطينية.
رسالة حماس الانقلابية جاءت في الوقت الذي يعلن فيه رئيس وزراء دولة فلسطين وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، د. محمد مصطفى، من نيويورك أن هناك لقاءاً ثنائياً بين فتح وحماس سيجرى قريباً للوصول لتفاهمات وترتيبات في إطار تحصين الجبهة الداخلية وصياغة رؤية وطنية موحدة لليوم للتالي للعدوان على شعبنا، لكن الواضح تماماً أن حماس كلما شعرت أننا نقترب من صيغة وطنية تكبل مشروعها الانفصالي الذي رعته وغذته أطراف إقليمية ودولية بما فيها إسرائيل تعود لتأكيد حضوره مرة أخرى.
استخلاص الدرس الرئيس من هذه التجربة المريرة مع المشروع الاخواني الانفصالي لحركة حماس، ينبغي أن ينطلق من أن محاولات بناء الثقة التي جرت خلال جلسات الحوار السابقة قد انهارت، وينبغي مراجعة وتقييم أسس وقواعد جديدة للحوار معها، ونقطة البداية فيها اعلان حماس عن اعتذارها وتراجعها عن نهجها الانفصالي، وعن طموحها غير المشروع لأن تكون وريثة للحركة الوطنية الفلسطينية، حيث يمكنها أن تكون في أحسن الأحوال شريكاً فيه وفقاً لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية.