الانطلاقة الـ 57 للنضال الشعبي.. دروس وعبر لمراحل نضالية متواصلة

بقلم: د. أحمد مجدلاني
نحتفل بالذكرى السابعة والخمسون لانطلاقة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، ومعنا جماهير شعبنا وقواه الحية من الوطنيين والديمقراطيين والتقدميين، ومن الاتجاهات اليسارية المختلفة في الساحة الفلسطينية، التي حافظت الجبهة منذ انطلاقها على تعزيز اواصر التعاون والعمل المشترك معها في إطار رؤيتها للوحدة الوطنية في أطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني.
وإذا ما كانت انطلاقة الجبهة في منتصف تموز عام 1967 ومن قلب مدينة القدس وبعد شهر على هزيمة الأنظمة العربية وبرامجها وعجزها عن التصدي للعدوان الإسرائيلي وتحرير فلسطين وهو الشعار الطاغي آنذاك على برامج معظم الانظمة العربية بألوانها القومية والتقدمية، والتقليدية.
فإن انطلاقة الجبهة من القدس ومن داخل الوطن جاءت لتعبر عن اصرار الوطنيين والتقدميين الفلسطينيين بأن استعادة القضية الفلسطينية لأيدي ابنائها وقواها الحية والأخذ بزمام المبادرة وبقرارها الوطني المستقل هو جزء من استعادة الهوية الوطنية لتي جسدتها منظمة التحرير الفلسطينية بالاعتراف العربي والدولي كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
تعززت مسيرة الجبهة النضالية بانتهاجها للكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، وبتطوير تجربتها وبالانفتاح عل تجارب الشعوب التي ناضلت من اجل الحرية والاستقلال واستفادت من التجربة الصينية والفيتنامية، ومن تجربة الشعب الجزائري العظيم وقيادته جبهة التحرير الجزائرية، واقامت أوثق العلاقات مع هذه القوى والبلدان بما في ذلك مع التحاد السوفيتي، وسائر بلدان منظومة الدول الاشتراكية، مما كان لذلك أكبر الأثر في التكوين السياسي والفكري لكوادر الجبهة والمهارات العسكرية لدى معظم كوادرها وقياداتها.
وفي خضم المعارك البطولية التي خاضتها الثورة الفلسطينية المعاصرة دفاعا عن الشعب والثورة والقرار الوطني المستقل انحازت الجبهة باستمرار الى الجانب الصحيح من التاريخ وهو جانب المصالح العليا للشعب الفلسطيني ورفضت الانخراط والمشاركة باي صيغة سياسية او تنظيمية لتشكيل اطار موازي او بديل لمنظمة التحرير بصرف النظر عن التباين السياسي مع القيادة الرسمية للمنظمة ، بل كانت تغلب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية والتنظيمية الضيقة هذه المواقف اكسبت الجبهة وقيادتها الاحترام والتقدير سواء مع من يتفق او يختلف مع رؤيتها وخطها السياسي .
وعبر هذه المسيرة الكفاحية الطويلة المليئة بالتضحيات من خيرة منضالينا وكوادرنا وقياداتنا تعززت الوحدة الفكرية والتنظيمية واغتنت بفعل التجربة وتعمقت ايضا بازدياد المعارف النظرية التي تلاقاها كوادرنا بالمدارس الحزبية بالاتحاد السوفيتي وبالعديد من الدول الاشتراكية.
ولكن ورغم هذه العملية المعقدة والطويلة من التجربة الكفاحية المريرة ، فإنه لم يكن من السهل الانتقال بسهولة ويسر في اللحظات التاريخية والمنعطفات الصعبة التي تمر بها قضيتنا من تباينات في المواقف والرؤى وهو امر طبيعي وصحي، باعتبار الحزب كائن اجتماعي يتفاعل مع محيطة يتأثر ويؤثر به، وهذا الكائن اذا لم تكن قدراته وامكانياته عالية على التفاعل فهذا يعني دخوله في ازمة الموت السريري التي يصعب اعادة انعاشه منها الا اذا توفرت له القدرة على القيادة والريادة واجتراح الحلول التي من شانها اعادة ضخ الدماء الجديدة الى شريان الحزب.
لقد مرت جبهتنا في العديد من المنعطفات التي واجهنا فيها الجديد بالقديم واصطدمنا بمعارضة قوى التغيير من الداخل، ليس انطلاقا من الاختلاف بحد ذاته وإنما بسبب قصر النظر، والتكلس في المواقع، وتعارض المصالح مع التغيير، وعدم قراءة الواقع والمتغيرات الاقليمية والدولية، والاعتقاد السائد بأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان ومازال.
ان الخطر الأكبر على مسيرة الحزب ليس في نقص الالتزام الوطني او التخاذل والتراجع بقدر عدم القدرة على الموائمة مع المتغيرات الجارية ومواجهة آثارها على مسيرتنا الوطنية، مما يتطلب وباستمرار اشتقاق السياسات والمهام الوطنية المباشرة وتطوير برامجنا بما يستجيب للواقع دون أفراط او تفريط، بشق طرق جديد لتثبيت حق شعبنا بالحرية والاستقلال على اساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
في المنعطفات التاريخية التي مرت بها قضيتنا الفلسطينية، وكما هو اليوم، كان التيار الواقعي المركزي في جبهتنا وحزبنا يحسم الخيار والوجهة بما ينسجم والمصالح الوطنية العليا، وان كانت في بعض الاحيان له كلفة بخسارة العديد من المناضلين الاوفياء الذين لم يستطيعوا أو ورفضوا قراءة الواقع قراءة عملية وملموسة.
انعقاد مؤتمر الجبهة الثاني عشر كانت فرصة تاريخية لحسم الجدل الداخلي الذي امتد لسنوات طويلة حول هوية الجبهة الفكرية والتنظيمية، وطابعها الطبقي والاجتماعي فقد صادق المؤتمر بالأجماع على تحول الجبهة الى حزب اشتراكي ديمقراطي ، وعلى البرنامج السياسي بشقية النضالي الوطني بتحقيق اهداف شعبنا بالحرية والاستقلال واقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والاقتصادي والاجتماعي باعتباره يحدد هوية الحزب الاشتراكية الديمقراطية وانحيازه لمطالب الطبقة العاملة والفلاحين والفئات الفقيرة والمهمشة بالمجتمع.
لقد شكل المؤتمر انعطافه جديدة بمسيرة الجبهة وانطلاقتها سواء بتعميق علاقاتها الوطنية ودورها ومكانتها في الساحة الفلسطينية، او عبر علاقاتها الدولية في الاشتراكية الدولية، والتحالف التقدمي العالمي، ومع شبكة واسعة من الاحزاب الشيوعية والتقدمية في العالم.
هذا التحول والانتقال كما هو الحال في كل مرحلة من مراحل نضال وتطور الجبهة طيلة السبعة وخمسون عاما الماضية والتي لم تضيع البوصلة أو تنحرف عنها، وهي انهاء الاحتلال والحرية والاستقلال لشعبنا وبناء دولتنا الديمقراطية المدنية والتقدمية، لم نضيع البوصلة ولا الهدف وواصلنا النضال وراكمنا على ارث القادة المؤسسين الدكتور صبحي غوشة وبهجت ابو غربية والقائد الباني والمؤسس الدكتور سمير غوشة، والقادة الكبار الذين حفل تاريخ الجبهة بنضالهم وتضحياتهم.
نقول لكل هؤلاء ولكل منضالينا الذين ضحوا بأغلى ما يملكون في سبيل الحرية والاستقلال، لكل الأجيال الصاعدة والشابة التي نحرص على تمكينها وفتح الآفاق امامها لمواصلة هذه المسيرة الخالدة، ان طريق النضال ليس مفروشا بالورود، وان مواجهة وحل القضايا الصعبة يتطلب حكمة وحنكة وقيادة وريادة، والاهم الاختيار الصحيح لجانب التاريخ وليس المسير بعكسه.