أقلام وآراء

نتنياهو تخبط وهزيمة بين غزة ولبنان

 

بقلم:  عايدة عم علي

حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة وتهديدات الكيان بشن عدوان على لبنان، أثار المخاوف لدى الأمريكيين بشأن تداعيات العدوان وتحوله لحرب إقليمية لا يمكن التحكم بنتائجها والحاقها الضرر بجملة بايدن الانتخابية التي تعاني أصلا من قصور وضعف، وأيضا بعد أن أظهرت المقاومة اللبنانية قدراتها الضخمة بإمكانية إلحاق الهزيمة ب “إسرائيل”.

ومع تسارع الاحداث باتجاه عدوان إسرائيلي جديد على لبنان، بدا وكأنه يرواح مكانه لحسابات في راس نتنياهو المتعلقة باستمرار العدوان على القطاع وإمكانية تلقي الدعم اللامحدود من الداخل والخارج لخوض الحرب لأبعاد المقاومة إلى ما وراء نهر الليطاني، لم يدرك نتنياهو ورهاناته الخاسرة أن هذا السيناريو سرعان ما أطاح برأسه بعد الصمود الأسطوري الذي أبدته المقاومة رغم الإبادة والدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة.

لقد اضحى الخروج من المأزق ضرورةً ملحة لإشعال حربٍ أخرى أشد فتكاً بدلاً من وقف الحرب في غزة بشكل كامل، وليقينه أن جر المنطقة إلى حرب واسعة تشارك فيها أطراف دولية، قد تكون السلم الذي يساعده على النزول من على «شجرة غزة»، وتمكنه من فرض شروطه إذا ما جلس الجميع على طاولة مفاوضات وقف الحرب الواسعة، وبالتالي التشدق بتحقيق نصر أمام المجتمع الصهيوني ومنافسيه.

نتنياهو يعي تماما أنه يلعب بأوراق محروقة على طاولة التصعيد العدواني، لن تقود إلى انتصارات يستعصي على كيانه بلوغها، وأنه يفتح بوابات الجنون على مصراعيها يمارس انتحاراَ معلناً على حواف الرهانات العقيمة، ويدرك جيداً أنه يقفز فوق حفر نار سعى لتوسيعها إقليمياً للتشويش على فشل الكيان الاستخباراتي والعسكري بعد أن طوقه الطوفان المقاوم بألسنة اللهب وبات محاصراً وليس أمامه سوى جدران وهروباً للأمام خوفاً من تهلكة سياسية تطارده وتدق مساميرها في نعشه السياسي

حماقة نتنياهو، حشره في زاوية الهزيمة سواء عسكرياً في غزة، أو سياسياً، جعله يلهث الى شن حرب جديدة كغطاء يقيه حمم ونيران المقاومة اللبنانية وهذا الأمر ليس متوافراً إلا في واشنطن، حيث يبحث هناك حالياً وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت تأمين الدعم الأميركي اللازم للانتقال إلى المرحلة الثالثة من العملية العسكرية في غزّة، وكذلك تغطية ما يتطلبه الوضع على الجبهة مع لبنان.

مآرب نتنياهو بإطالة أمد العدوان لسنوات وتوسعة رقعته رغم الهزائم الكبرى فضحتها وسائل إعلام العدو بلسان عضو من “الليكود” أن حرب نتنياهو لن تنتهي ما دام خطر الانتخابات يحوم في خلفية الأحداث إضافة لتعويله على طوق إنقاذ من تهلكته السياسية يتمثل بتولي ترامب السلطة بأميركا ما يمنحه تفويضاً لتوسيع دائرة العدوان إقليمياً ونسف الانتخابات وإمكانية إزاحته ومحاسبته.

ولهذا يطالب نتنياهو واشنطن مزيداً من الأسلحة معلقاً مشجب إخفاقاته على حائط التقصير الأميركي ويخاطب بايدن أعطونا الأدوات لإنهاء المهمة المشتركة بسرعة ويتغافل أنه ليس بالسلاح وحده تحسم المعارك فثمة دوافع استبسال عالية لدى محور المقاومة لطالما غيرت إيقاع المعارك، وثمة هواجس رعب إذا استوطنت نفوس الصهاينة عجلت بالنهايات المحتومة، وهذا عبر عنه أحد جنرالات الاحتلال واصفاً محاولات نتنياهو توسيع رقعة العدوان إقليمياً بـ “سباق مجنون وضرب للرأس في الحائط”.

مأزق العدو تدركه واشنطن لذلك لا تدخر وسيلة سياسية كانت أم عسكرية لانتشال نتنياهو من قاع العجز، فتعقد المعطيات وتفوق المقاومة النوعي بإدارة دفة المواجهة وإخفاق نتنياهو بحسم المعارك بات ضاغطاً على الإدارة الأميركية وهي تشاهد عورة هزائم الكيان ، استعراض قوة هزلي يمارسه نتنياهو على خشبة الأحداث لتأجيل اليوم التالي الذي يبصر فيه انهياره السياسي المحتوم، عدا الفواتير الباهظة التي يتوجب عليه تسديدها لتهوره الذي أدخل كيان الإرهاب في معضلة عزلة دولية وتمزيق السردية الصهيونية الكاذبة حول العالم.

نتنياهو يتراقص على نيران التصعيد، ويقرع طبول الحرب في جبهته الداخلية، وعلى بوابة البيت الأبيض، ويصرخ للإعلام ها أنا ذا قادم، لأحرق بيروت، على مذبح البقاء على الكرسي ومنع اية انتخابات مبكرة.

وبحجة أنه متزعم الورطة الإسرائيلية في غزة فلا مجال لاستبداله في هذه اللحظات الحاسمة التي سيحولها إلى سنوات بفعل ساحر البيت الأبيض القادم بعد الانتخابات الأميركية أيضا، فأهداف نتنياهو لم تكن يوماً تفكيك المقاومة في فلسطين المحتلة وهو العارف أنه لن يبلغ هذا السقف من المطالب، وهو الأدرى بأن الطفل يولد مقاوماً في فلسطين، وإن الأجيال الفلسطينية التي راهن الاحتلال بأنها ستنسى فاجأت العالم بأنها تتوق للتحرر وطرد المحتل أكثر وتشعل اليوم نيران المقاومة في كل جبال فلسطين..

يعرف نتنياهو أنه غير قادر على انتزاع المقاومة من صدر فلسطين بعد أن مشت على درب الجلجلة أكثر من سبعين عاماً وتنتظر القيامة والخلاص من المحتل، ولكنه يحاول إنقاذ نفسه من الإعدام السياسي إن هو نزل عن شجرة الحرب، فيهرب إلى التصعيد حتى لو كلفه ذلك أن يدوس على رأس بايدن.

فالرئيس الأميركي بحاجة ماسة إلى الهدوء وتحقيق وقف إطلاق النار في غزة ما قبل الانتخابات الرئاسية في أميركا، وإلا أطاح به ترامب وصعد الفيل الجمهوري مجدداً ساحقاً حمار بايدن الديمقراطي، وهذا ما يريده نتنياهو بالتحديد.

فوقف إطلاق النار في غزة يعني إطلاق الرصاصة على رأس نتنياهو، ولكن استمرار العيارات الطائشة في الحرب انتظارا لعودة ترامب لمنحة قبلة الحياة وطوق النجاة.

الإدارة الأمريكية تخشى وقعت في فخ الانتخابات جراء الدعم الكامل للاحتلال وهذا ما يدركه نتنياهو الذي يلعب على هذه الحبال من أجل خسارة بايدن وفوز صديقه ترامب الذي من الممكن توفير دعم أكبر وإيجاد حل لمشكلته للخروج من مأزقه في الحكومة بضمانات أكثر من وجوده وراء القضبان.

ورغم معرفتها باستغلاله الوقت لمصالحه الشخصية، إلا أن الادارة الأمريكية لم تبخل في تقديم أضخم المساعدات عسكرياً وسياسياً واقتصادياً للاحتلال شأنها كالإدارات المتعاقبة من الدعم المطلق واعلان بايدن صهيونيته كحال وزير خارجيته بلينكن

لا شك أن قدرات المقاومة كبيرة كونها مستندة أساسا على صمود وصبر الشعب الفلسطيني، ومهما كان الدعم الأمريكي لـ “إسرائيل” لن يغير شيئا ,فالأوضاع لم تعد كما كانت , وهذا ما تتخوف منه ليس “إسرائيل” وإنما الولايات المتحدة أيضا بعد ثمانية أشهر ونصف الشهر من المأزق في غزة فما بالكم إذا اندلعت المعركة فيالشمال.

زر الذهاب إلى الأعلى