“طوفان الأقصى” أمواج التغير والانتفاع

“طوفان الأقصى” أمواج التغير والانتفاع على شواطئ الشرق الاوسط
بقلم: حسنى شيلو
جددت عملية «طوفان الأقصى» في السابع من اكتوبر الماضي الزخم للقضية الفلسطينية وعلى الخارطة السياسية ، وأعادت فرضت القضية الفلسطينية باعتبارها رقماً لا يمكن تجاهله في حسابات المشروعات والأجندات الإقليمية والدولية.
لقد اظهرت تحركات دولية ورود فعل اقليمية ودولية على العملية ، وإعادة الحسابات وترتيب الأوراق للعديد من القوى الإقليمية، كما كشفت عن “التحيزات” في العلاقات الدولية وسيطرة القوى الغربية مثلما ابرزت دور دول صغرى على رأسها قطر “كنموذج”، وكلاعب ووكيل معتمد للولايات المتحدة الامريكية مهم في المنطقة.
كما أظهرت أيضا الدور الكبير للاعبين من القوى والأحزاب والجماعات ولعل من أبرزهم حركة حماس” وجماعة الحوثي، وحزب الله اللبناني، والمجموعات المسلحة في العراق “، مثلما كشفت الدور المتزايد لها في السياسة الخارجية كوكلاء أدوات بأيدي ايران التي كانت المحرك الفعلي لتلك القوى، لتنفيذ اجندتها في السياسة الخارجية وخصوصا لتحسين شروط مفاوضاتها في الملف النووي وإنها دولة ذات أذرع في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن تجاهلها.
إن الاثار التي ظهرت وما تزال تتفاعل نتيجة لهذه العملية وما رافقها ويرافقها حتى الان ومن تحركات دولية سيكون لها تداعياتها على منطقة الشرق الأوسط، تتمثل في الدور المتزايد الذي باتت تلعبه هذه الجماعات المسلحة من غير الدول في شؤون الحرب والسلام مع “إسرائيل”، حيث أن هذه الجماعات ستفرض مستقبلًا على جميع الأطراف نمطًا جديدًا في التعامل معها ومع استراتيجياتها وقدراتها المتنامية، وهذا المتغير ستزداد أهميته بترابط عناصره وتشكيله بيئة سياسية ومصالح مشتركة ومتقاطعة مع جهات اقليمية تتعدد فيها جبهات المواجهة.
و تصاعد دور بعض القوى الاقليمية نظرا لما تمتلكه من اوراق تحديدا ايران وتراجع الدور لبعض القوى التي كانت لاعبا مؤثرا في السياسة الخارجية على الصعيد منطقة الشرق الأوسط ولربما ابرزها جمهورية مصر العربية، حيث يبدو واضحا تأثير ما يسمى ثورات الربيع العربي وتداعياتها على مصر حتى اللحظة، رغم قيامها بدور الوساطة ، وإعلان نيتها الانضمام الى دعوى جنوب افريقيا في محكمة العدل الدولية ضد “اسرائيل” والذي يعتبر أيضا مؤشر مهم، لكن ايران أكبر المستفيدين من هذه الحرب، وبرز ذلك بما تملكه من نفوذ في المنطقة وقدرة على إدارة قوتها الردعية، وتوزيع منسوب الضغط عبر أذرعها وحلفائها، وأوضح أن هذا الضغط على جبهات متعددة أدى إلى تقييد حركة الولايات المتحدة و”إسرائيل” وضيَّق خياراتهما؛ ما سيجعل من طهران طرفًا مهمًّا في أي ترتيبات أمنية في المنطقة، مع استمرار تعزيز نفوذها الإقليمي.
وعلى صعيد النظام الدولي فإن العدوان كشف أن الولايات المتحدة الأمريكية بسياستها الخارجية لن تتخلى عن منطقة الشرق الأوسط ، وأن تلك المنطقة التي تشكل “اسرائيل ” الكيان الوظيفي للغرب وأمريكا رأس الحربة بها ، ستسمر بحمايتها والدفاع عنها انطلاقا من مكون عرقي وديني ومصلحي ، كما أن الصعود الصيني والروسي سيواجه بتحديات كبيرة من الولايات المتحدة، ولعل من تداعيات ذلك العدوان اعطاء الفرصة لروسيا بمواصلة حربها ضد اوكرانيا بعيدا عن الضغط العالمي ، حيث أن الولايات المتحدة فضلت دعم “اسرائيل ” على اوكرانيا، ولربما لم تظهر الصين كعادتها في سياستها الخارجية الهادئة بالصورة الواضحة لكنها أيضا سيكون لها دورا في المنطقة ، أن الأحداث في منطقة الشرق الأوسط تاريخيا كانت ذات تأثير على خارطة السياسة الدولية ولعل حرب الخليج ومما افرزته مثالا على ذلك.
من الصعب التكهن والتحليل الدقيق بتداعيات هذا العدوان على غزة نظرا لاستمراره حتى كتابة هذه السطور مع المستجدات التي تحدث تباعا.
ومن المفيد أيضا دراسة لغة الخطاب التي تناولت “طوفان الأقصى”، حيث أن حرب المصطلحات إن جاز التعبير تعتبر حربا موازية مع العدوان على غزة، فأظهرت قدرة الكيان على مواصلة لعب دور الضحية، وحق اسرائيل بالدفاع عن النفس ومنع معاداة السامية”، رغم الصحوة العالمية وخصوصا على المستوى الشعبي إزاء العدوان وتداعياته حرب الابادة الجماعية، والاحتلال الفاشيين الجدد” وحق المقاومة المشروعة للشعوب المحتلة.
هذه التداعيات ستلقي بظلال على المنطقة وخارطتها السياسية، قد تقود الى تغيير وستعيد العديد من دولها النظر بسياساتها الخارجية، دون فصل ما يحدث على الساحة الأوكرانية عن ما يحدث بغزة، فكلا الحالتين على الصعيد الدولي ستكون تداعياتهما مهمة على النظام الدولي، وعلى اعادة النظر بدور القوى الاقليمية المؤثرة التي تجنى “أرباحاً ” سياسية، ولكن التدخل الامريكي الغربي في هذا العدوان أكد أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن اطماعها ومخططاتها في منطقة الشرق الأوسط، وستعمل بشتى السبل المباشرة والخفية لتبقى حاضرة بها بقوة حتى تقول الشعوب كلمتها.