أقلام وآراء

النكبة: 76 عاما وجرائم الاحتلال لم تتوقف

 

 بقلم: عايدة عم علي

بالأمس القريب، مرت ذكرى تنفيذ صفقة الخيانة في 15 ايار 1948 التي لن تنساها الأجيال وستبقى جرسا سقرع في ضمائر أجيال المستقبل.

76 عاما مرت على بيع الأنظمة فلسطين وإنشاء العصابات الصهيونية دولتها على أرضنا وطرد أصحابها منها وتكريس اغتصابها باعتراف دولي. تنفيذا لصك وعد بلفور المشؤوم

15 ايار 1948، والذي اكتب اسم يوم (النكبة) لدى الفلسطينيين وأشقائهم واصدقائهم، لم يكن سوى ترجمة لسنوات طويلة سبقته، من التخطيط الصهيوني والبريطاني، لطرد الفلسطينيين من أرضهم، وإقامة (دولة) يهودية عليها. فنكبة الفلسطينيين لم تبدأ يومها ولم يكن ذلك التاريخ إلا اليوم التنفيذ الأكثر دموية ومأساوية للفلسطينيين الذي طرد من بقي حيا منهم من أرضهم، وتوَزُّعهم على مخيمات اللجوء حول العالم.

فقد تعرض الفلسطينيون على مدار سنوات طويلة سبقت يوم النكبة للاضطهاد والتعذيب والتهجير ونهب أراضيهم، والهجرة اليهودية إلى أرضهم بتخطيط من الحركة الصهيونية العالمية، وبمساعدة بريطانيا صاحبة وراعية مؤامرة إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين في حينه.

وبعد 76 عاما من نكبة الشعب الفلسطيني استطاعت دولة الاحتلال العنصري أن تُحيد اغلب أعدائها، وتحول العديد منهم إلى أصدقاء تربطها بهم علاقات دبلوماسية كاملة وتنسيق في معظم المجالات، وتمكنت من امتلاك ترسانة عسكرية تتفوق من خلالها على سائر دول الإقليم ب دعم سخي من حليفتها الأساسية الولايات المتحدة الأمريكية.

وهذا توصيف حقيقي لحال كيان الاحتلال اليوم على أرض الواقع، ولكن كل ما سبق يغطي حقيقة أخرى تحاول إسرائيل طيلة العقود الماضية طمسها، وتلك الحقيقة هي أن كل ما عليها “إسرائيل” اليوم كان على حساب شعب آخر؛ في محاولة لصبغ الأرض والتاريخ بهويتها المصطنعة لإخفاء حقيقة الأشياء وسرقت كل ما هو فلسطيني ونسبته لها.

ولكن الحقيقة أنه لا يوجد في إسرائيل أي مهاجر مستوطن كان يعرف شيء عن هذا التراث المسروق المزور قبل أن يطأ بقدميه أرض فلسطين؛ بدءً بالثوب الفلسطيني الذي تدعى إسرائيل أنه من ضمن التراث الاسرائيلي، ومرورا بعملتها الشيكل والتي هي عملة الكنعانيين ولا صلة لها باليهود، وصولا لتحريف أسماء المدن الفلسطينية إلى عبرية، فكل شي في فلسطين يشي بأصله ويرفض تلك الصبغة الصهيونية التي لم ولن تستطيع تغيير التاريخ، ولن تستطيع نسج أي علاقة بينها وبين كل ما سرقته.

إسرائيل في منتصف ايار من كل عام تحيي ذكرى قيامها، في حين يحيي الفلسطينيون في هذا التاريخ ذكرى نكبتهم؛ ولم يسجل التاريخ الانساني الحديث حالة من هذا النوع، بأن يكون اليوم الوطني لشعب هو يوم النكبة لشعب آخر؛ وليذكرهم دوما بالحقيقة التي يسعون دوما لطمسها.

هذه النكبة التي مرّت منذ 76عاما يراد للأمة أن تغرق في نكباتها الجديدة سبعينات أخرى ونيفاً، ومنهم من يجادل كي تكون آخرها، حيث لا عرب بعدها ولا وجود ولا مصير ولا معضلات، لكن النكبة التي لم تستطع 76 عاما أن تغيّبها من وجدان الفلسطينيين ومن تبقى من أحرار العرب، لن يكون بمقدور كيان الاحتلال وإرهابه المقيم منه والعابر أن يبقي نكبة الفلسطينيين عقوداً إضافية، ولا أن يضع قضاياهم في زواريب جانبية وعلى هامش المشهد وما يقتضيه.‏

تبقى حرب الوجود والهوية ولا مجال لأنصاف الحلول، ولا مكان لتأجيل المواجهة، ولا طريق وسطاً يؤخر أو ينتظر أو يستكين لما هو قائم، فالمعركة توضَّحت كما لم تكن يوماً، وارتفاع سقف الحضور والاعتراف بوجود المقاومة ليس وليد فراغ، والمجابهة مع أعداء الأمة لم تعد ترفاً سياسياً أو فكرياً، ولا هي مجرد إضافات في المعارك التي أشعلتها طواغيت العصر.

فكيان الاحتلال الصهيوني هو زرع اصطناعي في فلسطين، وهذا الكيان المصطنع، بات باعتراف الساسة الصهاينة، أقرب من أي وقت مضى إلى زوال لن تمنع حدوثه كل قوى الاستعمار والتطبيع مهما بلغت قوتها. لقد آن الأوان أن يبدأ شذاذ الآفاق هجرات معاكسة تعود بهم من حيث أتوا، لأن فلسطين لا تتسع إلا لأهلها.

فالنكبة حالة قائمة ومستمرة، ووحده خط المواجهة في معركة مفتوحة على المصير هو الذي يضع حدوداً فاصلة ونهايات لا بد أن نصل إليها يوماً، وقد اقتربت لتكون النكبة مجرّد دروس مرت، لتحلَّ مكانها يوميات العمل المقاوم في الميدان والسياسة والوجود والمصير، والأهم في الهوية والانتماء.‏

فصناع النكبة لم يتمكنوا من كسر إرادة الشعب الفلسطيني وطمس هويته الوطنية ولا بتحويل الوهم إلى واقع ولا بتزوير التاريخ.

في هذه الذكرى، نرى أنّ العدّ العكسي لنهاية الاحتلال قد بدأ، وأن تسريع هذه النهاية بتصعيد المقاومة واتساعها وبالمزيد من التضحيات، ليتحقق قريباً أعظم انتصار لأعظم صبر في التاريخ.

والحقيقة المؤلمة التي تفرض نفسها على المشهد الفلسطيني الدامي هي: أن العدو الصهيوني يمارس إرهاب الدولة بأبشع وأقذر صفاته بلا عقاب ورغم أن هذه الحقيقة  ليست بجديدة أو طارئة على المشهد الفلسطيني، بل هي تتزامن ونشأة وإقامة هذا الكيان الغاصب على التراب الفلسطيني.

لكنها في هذه المرحلة الخطيرة أصبحت أكثر وضوحاً وأكثر صلفاً ووقاحة لا بل أكثر تصميماً على الابادة الجماعية واستباحة الدم الفلسطيني وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية وأكثر تصميماً على انتهاك القوانين والشرائع والمواثيق الدولية.

رغم الألم والمرارة نرى العار والنكبة الحقيقية هو ما يحلق بأمتنا التي تتساقط فسيفسائها واحدة تلو اخرى   في حضن وبراثن الصهيونية وصنيعتها دولة الكيان لهاثا خلف سراب التطبيع مغلف باتفاقيات سلام.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى