أقلام وآراء

تحولات لصالح فلسطين… والمطلوب التوحد

 

بقلم: د.فريد اسماعيل

الكثير من الأحداث والتطورات والمواقف التي غصت بها الساحة الدولية كما الإقليمية والعربية خلال الأسابيع القليلة المنصرمة أفرزت في غالبيتها تحولات نوعية يمكن البناء عليها، فالرواية الصهيونية يتعمق سقوطها بشكل يومي مع استمرار عمليات الإبادة والقتل، وانتفاضة الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وكل الغرب انطلقت ومن غير الممكن اجهاضها، وقضية فلسطين أصبحت لاعبا أساسيا في الانتخابات الأمريكية التي أصبحت على الأبواب، فالأحزاب الرئيسية الأمريكية التي لطالما احترفت الاستثمار في قضايا الداخل والخارج للتأثير في نتائج الانتخابات، تقف اليوم حائرة وعاجزة أمام انقسام الشارع الأمريكي بين داعم لفلسطين ومناهض لحرب الإبادة الجماعية الاسرائيلية، بعد أن كان في معظمه في السابق مناهضا لفلسطين وداعما لدولة الاحتلال.

لكن الحدث الذي شكل تحديا كبيرا للولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص هو ما حصل في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة من انتصار للحق الفلسطيني في العاشر من أيار الجاري، حيث اعتمدت الجمعية بأغلبية 142 صوتا قرارا بدعم طلب فلسطين للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، إذ أكد القرار قناعة الجمعية العامة بأن دولة فلسطين مؤهلة تماما لعضوية الأمم المتحدة وفقا للمادة الرابعة من ميثاقها، وينبغي بالتالي قبولها عضوا.  جاء هذا القرار ليزيد من عزلة الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت قد وجدت نفسها قبل فترة وجيزة وحيدة بين دول مجلس الأمن في رفض الإعتراف بالحق الفلسطيني، فاستخدمت  حق النقض “الفيتو” ضد مشروع القرار الجزائري الذي ايدته ١٢ دولة في مجلس الأمن الدولي وامتناع دولتين عن التصويت.

صحيح أن قرار الجمعية العمومية كان متوقعا كما كان متوقعا قبل ذلك استخدام الولايات المتحدة لحق النقض في مجلس الأمن، وصحيح أيضأ انه يمثل توصية لمجلس الأمن لاعتمادة، لكن اعتماده من الجمعية العامة في هذا التوقيت بالذات يعطيه ابعادا غاية في الأهمية،  فهو يظهر حجم تراجع الدعم العالمي لدولة الإحتلال نتيجة انكشاف عنصرية وتطرف هذا الكيان الذي يشن أبشع حرب عدوانية على شعبنا منذ العام ١٩٤٨ ، فبنتيجة التحول الكبير في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين، عكس هذا القرار أهمية دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية والسعي للسلام والعدالة، وبالتالي ترسخت قناعة المجتمع الدولي بأن لا سلام أو أمن او استقرار بالمنطقة إلا بتطبيق حل الدولتين، كما حث هذا القرار الدول التي لم تعترف بدولة فلسطين حتى الآن على القيام بذلك.  وبالفعل فقد أعلنت على الأقل خمس دول نيتها الاعتراف بدولة فلسطين قريبا جدا، وأولها إسبانيا التي أعلنت اعتزامها الإعلان عن الاعتراف بدولة فلسطين في الحادي والعشرين من أيار ٢٠٢٤ .

أن القرار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من أيار ، يوصي مجلس الأمن بإعادة النظر في عضوية فلسطين بشكل إيجابي، وهذا يعني أن الموضوع سيعاود طرحه أمام مجلس الأمن على الرغم من الادراك المسبق بأن الولايات المتحدة الأمريكية سترفض الاعتراف مجددا، وستربطه مرة أخرى بنطاق اتفاق ثنائي بين الجانب الفلسطيني وإسرائيل، وستستخدم حق النقض مرة ثانية وثالثة وعاشرة، فإسرائيل هي قاعدتهم المتقدمة في المنطقة، وأمريكا لن تخرج من دائرة الارادة الصهيونية  بغض النظر عن أي إدارة تدير الدفة في الولايات المتحدة الأمريكية الآن أو لاحقا بعد الانتخابات.

الحدث الآخر الذي ربما فاجأ البعض هو إعلان جمهورية مصر العربية اعتزامها الانضمام رسميا لدعم الدعوى التي رفعتها جنوب افريقيا ضد دولة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية، لا سيما وأن هذه الخطوة أتت على أعتاب انعقاد الدورة ٣٣ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة.  هذا التدخل سيشكل إضافة نوعية لدعم الموقف القانوني لجنوب افريقيا.  فمصر دولة رئيسية في المنطقة ولها تاريخ طويل في العمل كوسيط بين الجانب الفلسطيني وإسرائيل.  فقد ذكر أستاذ القانون الدولي الخبير محمد مهران أن موقف مصر يعبر عن إدراك متزايد لحجم الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة والتي ترقى لمستوى جرائم الإبادة الجماعية، في ظل فشل كل المساعي السياسية والدبلوماسية في ثني إسرائيل عن سياساتها العدوانية، مما يستدعي تكثيف الضغط القضائي عليها في المحافل الدولية لوقف جرائمها ومحاسبة مرتكبيها، كما يؤكد التزامها الأخلاقي والقانوني بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني بكل السبل المتاحة وصولا لإنهاء الاحتلال.

اما من الجانب الإسرائيلي فقد رجحت صحيفة هآرتس أن ذلك سيؤدي إلى زيادة الضعط على إسرائيل ويشجع محكمة العدل الدولية على إصدار أوامر جديدة ضد إسرائيل، واتهامها بأن تنفيذ عملية في رفح يخلق حالة من المجاعة ويفاقم الأزمة الإنسانية والأوضاع الكارثية في أنحاء القطاع.

ومن أبرز التطورات التي ساهمت في دفع مصر إلى اتخاذ هذه الخطوة هي تلك التي انتهت بدخول الدبابات الإسرائيلية منطقة رفح الحدودية ورفع العلم الإسرائيلي على الحدود مع مصر، مما شكل استفزازا للقاهرة التي شرعت باتخاذ خطوات ألقت بظلالها على العلاقات بين القاهرة وتل أبيب.  فمصر التي حرصت على لعب دور الوسيط بحيادية لوقف هذه الحرب كونها أيضأ أحد أكثر المتضررين من استمرارها حيث أنها خسرت خلال أشهر الحرب ما بين ٤٠ إلى ٥٠ بالمئة من مداخيل قناة السويس نتيجة التوترات في البحر الأحمر، كما وشعرت بالحرج أمام شعبها والمنطقة من جراء عمليات الإبادة الصهيونية. يضاف إلى ذلك استمرار التخوف المصري من أن أي عملية في رفح يمكن أن تؤدي إلى نزوح فلسطيني باتجاه مصر وباعداد هائلة ، مما تعتبره القاهرة تهديدا لأمنها القومي وتهجيرا لسكان القطاع، وبالتالي خلطا للأوراق واغراقا للمنطقة في مواجهة المجهول.

إن أهمية كل هذه التحولات، تلزم الأطراف الفلسطينية إتخاذ القرار المصيري الصائب وهو إنهاء الانقسام والتوحد حول المشروع الوطني الفلسطيني. وهو القرار الضامن لإعادة توحيد شطري الوطن وتصويب البوصلة في الاتجاه الصحيح.

 

زر الذهاب إلى الأعلى