“أوبريت الحلم العربي”: تعديل يحول الرائعة الى ملصق تطبيع

تقرير – ريحاب شعراوي
بعد ربع قرن من صدور النسخة المحدثة منه في 3 أكتوبر 1998، وذلك سنتين بعد اول ظهور له عام 1996، يعود “أوبريت الحلم العربي” ، الذي يصور حلم الشعب العربي في إقامة الوحدة العربية الى الواجهة ولكن هذه المرة بعد محاولات تدخينه وتحويله الى حلم للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي بإزالة اية إشارة فيه الوحدة العربية الى القضية الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني.
الأوبريت المعروف على المستوى العربي وحول العالم منذ ظهر، اكتسب مكانة بارزة في سبتمبر / أيلول 2000 عقب انتفاضة الأقصى الثانية، والتي أشعل شرارتها وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي وقتئذٍ أرئيل شارون عقب تدنيسه باحات المسجد الأقصى. حيث غَدا الأوبريت، رمزًا للتضامن من خلال بثه على نطاق واسع على مختلف القنوات الفضائية العربية.
وعروف ان هذا الأوبريت تعاون من إنتاج أحمد العريان وإخراج طارق العريان، تميز بالبراعة السردية للشاعر المصري مدحت العدل، عزز التأليف الموسيقي الملحنين المصريين صلاح الشرنوبي وحلمي بكر، وتوزيع الملحن حميد الشاعري، ويغني افيه 21 فنانًا من مختلف الدول العربية و100 موسيقار، ويتضمن لحظات من تاريخ الأمة العربية الحديث فيما صدر الجزء الثاني من الأوبريت “الضمير العربي” في بداية الألفية الثالثة.
وتحمل كلمات الأوبريت رسالة أمل ووحدة؛ فهي تشجع المستمع على متابعة أحلامه بأهمية الوحدة بين الأمة العربية وتجربتها الإنسانية المشتركة، مع التركيز على القوة التحويلية للحب والخير، وضرورة التغلب على الظلام بشعاع الضوء المجازي يدل على التفاؤل والإيمان بوجود مستقبل أفضل في متناول اليد. يحتفي الأوبريت بشكل عام بمرونة الروح الإنسانية وإمكانية التغيير الإيجابي من خلال الفن والحب والأحلام.
وبحسب القائمين عليه، يستخدم الأوبريت الاصلي أدوات أدبية مختلفة لنقل رسالة الأمل والوحدة والمرونة، وتنسج معًا موضوعات الضوء الذي يتغلب على الظلام، والتطلعات الجماعية، والقوة التحويلية للحب والفن. إن الذكر المتكرر للظلام وشعاع النور بمثابة فكرة قوية، ترمز إلى التحديات والأمل، مما يشير إلى أنه حتى في أحلك الأوقات، هناك إمكانية للإضاءة والتغيير الإيجابي. كما أنه هناك رمزية للعناق، العناق صورة متكررة تمثل الوحدة والتكاتف. ويصبح رمزاً للأحلام والتطلعات المشتركة التي تشمل الناس من جميع مناحي الحياة. كما تشجع القصيدة على القيام برحلة نحو الأحلام والأهداف، مع التأكيد على أهمية المحاولة المستمرة. إن ذكر رحلة الألف ميل التي تبدأ بخطوة يعكس أيضاً موضوع المثابرة والتقدم التدريجي. تشير الإشارات إلى العدالة، وحماية حقوق الفرد، وتحدي الكون إلى تعليق اجتماعي وسياسي.
كما يدعو الأوبريت إلى العدالة وتقرير المصير والشجاعة في التساؤل والتمرد على الظلم. يتم تصوير الحب على أنه قوة جبارة يمكنها إحداث تغيير إيجابي. ويُوصف بأنه نار شرارة وعيون مليئة بالأخبار السارة، مما يشير إلى قدرته على إعادة خلق العالم العربي كما يؤكد باستمرار على الوحدة بين أبناء الأمة العربية، ويدعو إلى إزالة الاختلافات، ويؤكد على فكرة أن كونك إنسانًا عربيًا يكفي لتوحيد الشعوب.
وبعد كل هذه السنوات، تقوم مبادرة ” صناع الأمل” وبمشاركة 12 من كبار الفنانين العرب بتغير “الحلم العربي” الذي سكن في وجدان أجيال كثيرة من خلال تقديمه بهوية وتوزيع جديد. وهو أيضاً من تأليف مدحت العدل، وألحان صلاح السنوبي، وتوزيع ميشال فاضل، ومشاركة نجوم من النسخة الأولى واخرون جدد.
أعيد إنتاج الأوبريت، الذي أصبح معروفاً على نطاق واسع، رمزاً للتضامن والميلودراما القوميّة، في نسخته “الجديدة” برعاية إماراتية، ضمن برنامج “صناع الأمل” في موسمه الرابع، ليتحوّل الحلم العربي، بالتضامن والوحدة مع قضايا الشارع العربي وانكساراته ومعاناته، إلى أوبريت مفرغ من كل قضية، مضمونه لا يختلف عن رؤية الإمارات للتطوير، مجرد كلمات تنمية بشرية، صالحة لشركات متعدّدة الجنسيات، لا أوطان وأمم، واجترار للأوبريت السابق عبر صور أرشيفيّة، وكأن الحلم ما زال حلماً مع بعض التعديلات لتفريغه من العاطفة القوميّة.
أما بالنسبة الى جهة الإنتاج، فـ”صنّاع الأمل” مبادرة حكومية من إمارة دبي، برعاية حاكمها، محمد بن راشد آل مكتوم، وتهدف وفق موقعها الرسمي الى “الاحتفاء بأصحاب العطاء في الوطن العربي”، وذلك عبر تكريم مبادراتهم ومشاريعهم وحملاتهم الإنسانية والخيرية والمجتمعية، وتحسين بيئاتهم.
تصاعُد أحداث العدوان الإسرائيلي الذي يتعرّض له قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والذي راح ضحيّته أكثر من 32 ألف شهيد غزّي، دفع الكثيرين إلى استعادة الأوبريت، والمطالبة بجزء ثان منه، ما دفع مؤلفه مدحت العدل إلى إعلان إعادة تقديم الأوبريت في دار الأوبرا المصرية، ثم عاد وأعلن تأجيله إلى أجل غير مسمى، قبل أن يصرح بأن “الأوبريت سيقدَّم بمبادرة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم اللي هي صناع الأمل… فلقوا أن دي تحيي الأمل في الحلم العربي تاني… فطلبوا واحنا استجبنا وسعداء بالوجود”.
أصرّ العدل في تصريحاته على أن الأحداث في غزة هي الدافع لإعادة تقديم الأوبريت، بعدما أصبحت “أكثر أغنية مطلوبة على محرك البحث غوغل”، وأن” رسائل (الحلم العربي) هي واحدة من أسباب التفكير في إعادة تقديمها، من خلال بثّ مباشر، مع تصاعد الجرائم الإسرائيلية الوحشية، وما نراه من موقف دولي مخجل ولا إنساني، يصل لدرجة التواطؤ”.
تصريحات العدل تشبه خُطب الكثير من الساسة العرب، إذ تقول شيئاً، وتفعل شيئاً آخر. وعلى رغم صدق نواياه، حذف، بناء على طلب مؤسسة صناع الأمل الإماراتية، المقاطع غير المرغوب فيها من الأوبريت، والمرتبطة حقاً بالقضية الفلسطينية والواقع العربي الذي لم يزد، بعد 28 عاماً من عرض الأوبريت للمرة الأولى عام 1996، إلا تأزماً وضياعاً، كموقف الحكام وفق وجهة نظر أحد الكتاب الإماراتيين، صارت نسخة الأوبريت الحالية أفضل؛ لأنه صار – على حد تعبيره-خالياً من “الكراهية والسياسة”، أي خالياً من الموضوع، وهو المطلوب ربما.
تضمّنت نسخة الكليب الأصلي مواد تصوّر الاشتباكات بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال وشخصيات تاريخية ذات صلة بأحداث بارزة في الدول العربية،
أما في النسخة الجديدة، التي اختزلت الأوبريت الأصلي من 19 دقيقة إلى أربع دقائق ونصف الدقيقة، فغابت هذه المقاطع بما في ذلك لحظات الانتصار القليلة التي عاشها المصريون من خلال اقتحام خط بارليف في 1973
تضمّنت النسخة الجديدة من الأوبريت أيضاً، تغييراً في الكلمات وحذف مقاطع، بالإضافة إلى مشاركة فنانين جُدد بدلاً من الفنانين في النسخة الأولىمع استبعاد بارز للمطرب التونسي لطفي بوشناق، المعروف بموقفه الواضح والحاد ضد التطبيع مع إسرائيل والداعم للقضية الفلسطينية،
ومن بين ابرز الجمل المحذوفة: ”محتاج العدل القوة علشان تقدر تحميه، ولا عمر بكلمة وشكوى حق بيرجع أراضيه”، و”الحب اللي ناره شراره وعيون مليانة بشارة، بيعيد تكوين العالم، أطفال بإيدها حجارة”، كما أُضِيفَت عبارة “العالم كله يجري ويسابق من حوالينا، لازم نتقدم نجري بالعلم بعزم ما فينا”.
كما اظهر” المطورون” الحرص على عدم الإشارة إلى القضية الفلسطينية، بلغ حد أن يظهر المطرب الفلسطيني محمد عساف، وهو ابن غزة، والحاصل على الإقامة الذهبية في الإمارات، من دون علم أو كوفية فلسطينية.
يأتي ذلك فيما تسارع الإمارات الى التطبيع مع إسرائيل بشكل غير مسبوق، يبدو ان الدافع هو الحرص على ألا يُنتج الأوبريت بنوايا إدانة إسرائيل، وهي النوايا التي أعلن عنها مدحت العدل، مع بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، قبل تحوُّل دفة المشروع من الأوبرا المصرية إلى برنامج صناع الأمل الإماراتي. وهناك تحول إلى أغنية تستبدل القضايا بأحلام الارتقاء الطبقي، والبهرجة الكاذبة وتفريغ القضية الفلسطينية في أغنية لا تختلف عن النشرات السياحيّة.