ماكرون يجر أوروبا إلى الهاوية، هل سيبقى الصراع على وضعه؟

بقلم خليل حمد
ينشغل الغرب بمراقبة ما يجري من حرب إبادة جماعية إسرائيلية على غزة، وهمّه أن لا “تنتصر روسيا في أوكرانيا”، مفارقة تبدو غريبة أمام هول الفاجعة في شرق المتوسط، وكم الخطورة التي قد تنتج عن خطوات غير محسوبة النتائج في شرق القارة العجوز.
تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول “إرسال قوات برية إلى أوكرانيا” تعبر تدخل بلا شك في لعبة السير على حافة الهاوية، التي لا يجيدها الغرب تاريخياً. باريس تغرّد خارج السرب الأوروبي على ما فهمنا من ردود الأفعال الرافضة للفكرة، لكنًّ الطرح جدير بالنقاش: في التوقيت والأسباب والنوايا وردود الأفعال وإمكانية التنفيذ.
منذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا، والتي دخلت عامها الثالث قبل أيام، وضع الغرب هدفاً يريد تحقيقه بكل الوسائل: “هزيمة موسكو في أوكرانيا”. مع تغير معطيات الميدان، تخول هذا الهدف إلى “استنزاف موسكو في أوكرانيا”. في التنفيذ، بدأ الدعم غير المسبوق لكييف بالسلاح والعتاد والأموال، وإن كانت كل تلك “المساعدات” على شكل ديون مؤجلة السداد حالياً، لكنها سيف مسلط على رقبة كييف، تلوح به بروكسيل وواشنطن متى شاءتا. منذ بدأت الحرب كان هناك اتفاق في دول الناتو على دعم كييف بالأسلحة والعتاد دون القتال المباشر إلى جانب قوات الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي، فماذا حدث؟
في السادس عشر من شباط/ فبراير، حلَّ زيلنسكي ضيفاً على الإليزيه، اقترح الرئيس الأوكراني “بارتجال” إرسال قوات غربية لدعم الوضع العسكري المتهاوي في الشرق الأوكراني، التقط الرئيس الفرنسي الفكرة، وطرح الموضوع بعد عشرة أيام خلال قمة نظمتها باريس على عجل لدعم أوكرانيا.
البعض قرأ الأسباب أبعد من المكاسب الروسية الأخيرة ميدانياً، ففي المباشر، تتزايد الخشية الأوروبية من تراجع الالتزام الأمريكي بدعم أوكرانيا خصوصاً بعد تعليق الكونغرس مساعدات واشنطن لكييف، والسبب ربما انعكاسات ذلك على الناخب الأمريكي المعترض على الحروب مؤخراً، في وقت يحتاج فيه بايدن والديمقراطيون عموما إلى كل صوت ممكن كي يحظوا بدورة ثانية في البيت الأبيض، وإلا فإن عودة الرئيس السابق دونالد ترامب تعني استراتيجية مختلفة تماما، كما أنَّ مصير نظام كييف ومستقبل وحدة الأراضي الأوكرانية موضوعان تمَّ طرحهما بشكل جدّي في مؤتمر ميونيخ للأمن. الخلاصات لم تعجب الدول الغربية حتماً. أما في المعنى الأعمق لطرح ماكرون، فمحاولة جديدة لاستعادة “الريادة” الفرنسية على مستوى القارة الأوروبية والعالم، ولو عن طريق طروحات خطيرة قد تجر العالم كله إلى الوقوع عن حافة الهاوية، نحو اللاعودة.
تصريحات ماكرون أثارت الجدل أوروبياً وعالمياً. أبرز المعترضين ألمانيا، التي تتزايد التباينات بينها وبين فرنسا إلى حد وصلت فيه العلاقات بين برلين وباريس إلى ذروة الكباش على زعامة أوروبا، قال المستشار الألماني أولاف شولتز بما يشبه الرد الحاسم على أخطاء طفل يلهو: “لن ترسل الدول الأوروبية ولا دول حلف شمال الأطلسي قوات برية إلى أوكرانيا”. ترفض برلين توريد صواريخ “تاوروس” إلى كييف، بل وتواصل تصريحاتها التي تنحو باتجاه الديبلوماسية أكثر من المواجهة، في حين تريد باريس أن يكون لها دور أكثر فاعلية ونارية في السياسة الخارجية، لكن التصريحات تبدو متناقضة مع الممارسات. صحيفة “دي فيلت” الألمانية، وفي معرض انتقادها لتصريحات ماركون، ذكرت أن فرنسا لا تزال تماطل في الوفاء بوعودها تسليم الأسلحة والأموال لكييف، وهذا يجعلها في ذيل قائمة المورِّدين في معظم فروع الأسلحة.
وألمانيا ليست الوحيدة في رفض الفكرة، بريطانيا وإسبانيا وبولندا وجمهورية التشيك ودول أوروبية أخرى اعترضت على الدعوة، التي تمثل دعوة للانخراط المباشر في حرب مع روسيا غير محسوبة العواقب، وقد تتطور إلى حرب عالمية ثالثة يُجمع العالم أنها ستكون حرباً نووية. الاعتراض الأمريكي جاء بسبب عدم تنسيق هذه التصريحات مع أعضاء الناتو مسبقاً. لكنَّ أسباب الاعتراضات الصينية والروسية مختلفة. ترى بكين أنه “يتعين على جميع الأطراف المعنية المساعدة في حل الصراع في أوكرانيا”. المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ دعت الأطراف إلى التوافق وتخفيف التوترات وتسهيل وقف إطلاق النار، مؤكدة استمرارها في “دورها البنَّاء” لتسوية الأزمة سياسياً. رسالة صينية عقلانية تريد عبرها بكين أن تقول إنها الطرف الأكثر هدوءاً واتزاناً في المواجهة، لكنها في نفس الوقت تشي بأن كل محاولات الغرب لفصل عرى التحالف الصيني الروسي باءت حتى اللحظة بالفشل، وبالتالي فإن بكين ستكون معنية بالتدخل في أيَّ تصعيد من أيِّ نوع، ولو كان هذا التدخل تصعيداً يُفضي إلى جلوس الجميع على طاولة الحل.
أما الاعتراض الروسي على تصريحات ماكرون فجاء أكثر حدة. ترى موسكو في الأمر مسألة حياة أو موت، وعلى هذا المستوى اعتبر المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف أن مجرَّد إثارة هذا الاحتمال يشكّل “عنصراً جديداً مهماً جداً” في الصراع، محذراً من أن خطوة من هذا النوع “ليست في مصلحة دول حلف الناتو”. ما لم يقله الكرملين، قاله مجلس الاتحاد الروسي على لسان نائب رئيسه، قسطنطين كوساتشوف: “الإرسال المحتمل للقوات البرية من قبل دول حلف شمال الأطلسي إلى أوكرانيا… هو إعلان للحرب”.
والحرب هي الكلمة المفتاح لكل ما يجري في الشرق الأوروبي، فأوروبا التي تعيش تبعات هذه الحرب يجب أن تكون الأكثر رغبة في إنهائها، فيما لا تكترث الولايات المتحدة لاستمرارها، باعتبار أنها مضطرة لتقاسم المكاسب أياً كانت مع أوروبا، بل وإن انشغال واشنطن بدعم “إسرائيل” في حربها على قطاع غزة المحاصر، يشير إلى أن استراتيجية الإدارة الأمريكية الحالية هي حصاد ثمار التخريب وحدها، ربما في محاولة أخيرة لتكريس نفسها كقطب عالمي أعظم في منطقة لا زالت تشكل مفتاح السيطرة على شريان العالم.
عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني