أقلام وآراء

الاستمرار في المغامرات انتحار

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

لطالما كنا نسمع أن منطقتنا العربية ترقد على صفيح بركان قابل للانفجار. ولطالما اتخمتنا وسائل الإعلام بمختلف أجنداتها ومحلليها بالأطروحات الموضوعية نادرا والموجهة غالبا في تسابق محموم غلبت عليه لغة التضليل والشعبوية المفرطة والوطنية الزائفة، لنجد أننا في قلب بركان تتلظى بناره الأراضي الفلسطينية والمنطقة العربية، ولنكتشف أن بعض الأطراف البعيدة والقريبة، العدوة وغير العدوة، كانت تعد العدة لتحويل شعوب هذه المنطقة وفي مقدمها شعب فلسطين إلى حطب ووقود لبركان مدمر يحرق من جديد ما تبقى من قطاع منكوب، ويلتهم بناره الأطفال والأمهات والشيوخ ممن يعتبرهم البعض “خسائر تكتيكية ” فالمهم بقاؤه ولو على رماد القطاع.
من الواضح إصرار دولة الاحتلال على الاستمرار في عدوانها وارتكابها للمذابح والمجازر، وهذا نهجها منذ النكبة. كما أنه من البديهي لمجرم مثل نتنياهو الامعان في القتل وحرب الإبادة، وهو البارع بالاستثمار في الفرص والعمل على إنهاء الوجود الفلسطيني وتوسيع جغرافيا خارطة كيانه المصطنع، وهو الحالم أيضأ بتحقيق الأحلام الصهيونية الاستراتيجية الكبرى ليكتب اسمه إلى جانب إسم بن غوريون في صفحات تاريخهم الأسود. ولذلك يستخدم كل الأوراق المتوافرة لديه بعد أحداث السابع من أكتوبر لخلق واقع جديد يحقق من خلاله كل أهدافه المعلنة والخفية التي أصبحت واضحة بعد سلسلة المتغيرات الدراماتيكية في فلسطين والمنطقة، والتي أخلت بموازين القوى لصالح دولة الاحتلال. يضاف إلى ذلك وجود إدارة أمريكية جديدة يمينية نقلت الولايات المتحدة من موقع الداعم والحليف الاستراتيجي المخلص لإسرائيل إلى موقع الشريك الفعلي لنتنياهو وحكومته في حرب الإبادة والتهجير والتطهير العرقي وتغيير معالم المنطقة.
صحيح أن نتنياهو يستخدم القتل والتدمير والابادة كوسيلة للخروج من ازماته الداخلية والتملص من المحاكمات المتلاحقة، كما يستفيد من استئنافه للحرب على غزة بتعزيز وضع حكومته من خلال عودة المجرم ايتمار بن غفير وحزبه إليها. لكن لا يمكن تقزيم الأهداف الصهيونية بشخصنتها وحصرها في إطار المصالح الشخصية لنتنياهو فقط، لأنها تنطلق أيضأ من الأفكار اليمينية المتطرفة والمعتقدات الصهيونية التوراتية الزائفة والتي عملت الصهيونية منذ نشأتها على زرعها في العقول من خلال ابتداع سرديات تجافي الواقع التاريخي، موظفين من أجل ذلك كل الإمكانيات الفكرية والمادية والبشرية.
لذلك لا بد للبعض أن يفهم أن ما من عروض سخية تقدم للإدارة الأمريكية بمجرد اللقاء معهم يمكن أن تشكل اوراق اعتماد لدى هذه الإدارة، أو يمكن لها أن تحدث شرخا في التحالف اليميني الأمريكي الإسرائيلي. بل على العكس من ذلك، فقد فهم الأمريكيون أن هذا الطرف يفاوض بنفسه من أجل نفسه، مما أعطى دفعا لنتنياهو وحكومته لاستئناف العدوان على قطاع غزة ورفع شعار” التفاوض تحت النار” بدعم أمريكي مطلق ،والثمن أرواح أبناء شعبنا في القطاع.

يبدو أنه حتى الآن لا تقرأ حركة حماس المشهد جيدا ولا ترغب الخروج من الإطار الحزبي الضيق والولوج إلى الإطار الوطني الجامع، فالمصلحة الذاتية والعقلية الإخوانية التي تتشبث بالمشروع الأصولي على حساب حياة الشعوب لا تزال تهيمن على فكرها. لم يقرأوا في كتب التاريخ القديم والحديث أن المقاومات في الظروف الحرجة تضحي بنفسها من أجل شعوبها ولا تضحي بشعوبها من اجل ذاتها، لأن جوهر وجودها يتمثل بضمان وجودهم وحياتهم ومستقبلهم . المقاومات في ظل وقائع موضوعية تقوم بخطوة أو خطوتين إلى الوراء إنقاذا للأبرياء ، وتعمل على استنباط أشكال نضالية مختلفة تحافظ من خلالها على قضيتها وعلى حياة من اؤتمنت عليه. ولنا هنا في قرار الرئيس الشهيد ياسر عرفات بالخروج من بيروت العام ١٩٨٢ مثالا حيا، حين تم وضعه امام خيارين ، اما الاستمرار بالقتال لأشهر وربما لسنوات،وكان قادرا على ذلك، والنتيجة تدمير بيروت بالكامل مع مئات آلاف الضحايا ، واما الخروج وتجنب دفع هذا الثمن الباهظ، فقرر الخروج حفاظا على أرواح المدنيين وانقاذا لبيروت من الابادة والدمار الشامل. لم يكن ذلك استسلاما، بل انه قرأ المرحلة جيدا واختار هو والقيادة الفلسطينية أشكالا نضالية أخرى تتناسب وطبيعة المرحلة بنتيجتها تحققت انجازات تاريخية منها العودة إلى أرض الوطن مع آلاف المقاتلين ورفع راية فلسطين فوق الأرض الفلسطينية وقيام السلطة الوطنية. وبحصيلة النضال التراكمي تعترف اليوم ١٤٩ دولة في العالم بدولة فلسطين التي تشغل اليوم مقعدها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

قد يقول قائل أن حكومة الإحتلال كانت قد خططت مسبقا لحرب الإبادة وستقوم بشنها بغض النظر عن أي طرف لأنها عماد المشروع الاستعماري الصهيوني . والجواب الحاسم بأنه مما لا شك فيه بأن المشروع والحلم الصهيوني يتمثل بإنهاء الوجود الفلسطيني برمته. لكن لماذا لم تعمد إسرائيل إلى تنفيذ ذلك وبهذا الشكل المباشر والوحشي إلا بعد احداث السابع من اكتوبر! ؟ لقد كانت دولة الكيان بحاجة إلى حدث كبير كهذا لتلعب دور الضحية الذي تبرع به، لاستخدامه مسوغا لشن أبشع حرب إبادة وتطهير عرقي في التاريخ الحديث. وهنا نتذكر كيف استطاع اليهود لعب دور الضحية في الحرب العالمية الثانية بسردياتهم حول الهولوكوست، والزام أوروبا والدول الكبرى مساعدتهم بالهجرة إلى وطننا وإنشاء كيانهم.
ونتنياهو مع كل وحشيته وتطرفه بحاجة إلى الحجج والمبررات لتحقيق أحلامه الكبرى بحجة دفاع الضحية عن وجودها. ولذلك اعتبر هجوم السابع من أكتوبر خطرا وجوديا على كيانه، وبذات المبررات يتمدد في لبنان وسوريا ويغير معالم المنطقة، في الوقت الذي تمارس فيه الولايات المتحدة الضغوط على لبنان لتشكيل لجان تفاوض دبلوماسي مع إسرائيل.

لقد تكلمنا في المقال السابق عن عبثية البحث في الأزقة الضيقة لأن بإمكان الأمريكيين والإسرائيليين إغلاقها بلحظة واحدة. وها هي دولة الاحتلال تستثمر فيما آلى اليه ذلك الزقاق الضيق لتستأنف عدوانها ويعلن وزير دفاعها عن الايعاز لجيشه بالسيطرة على مزيد من الأراضي في القطاع تمهيدا لضمها.
وفي ظل هذا الواقع، ما من خيار أمام حماس اليوم سوى اتخاذ موقف تاريخي وطني بالخروج من المشهد لصالح الشرعية الفلسطينية، مما يعطي دفعا لخطة الإنقاذ العربية المدعومة دوليا. فالهدف وقف العدوان ونزيف شلالات الدماء وإنقاذ أهلنا في غزة. فنحن نعيش اليوم مرحلة صراع وجود وهوية، والاستمرار في المغامرات.

زر الذهاب إلى الأعلى