أقلام وآراء

أين فلسطين من الصفقة الأمريكية -الإيرانية لوقف الحرب؟

 

 بقلم: د. أحمد مجدلاني

اختتمت الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران شهرها الأول، مع ادعاء الأطراف الثلاثة أنها حققت انتصارات وإنجازات مهمة ألحقت الضرر والهزيمة بالآخر، ولم يبق على استسلامه، بعد إنهاك قواه، سوى أيام معدودة.

وفي خضم هذه التصريحات والادعاءات المتضاربة والمتقابلة، ودخول أطراف إقليمية لها مصلحة في وقف الحرب الدائرة، لتضرر مصالح الجميع، بمن فيهم الدول الخليجية العربية، وكذلك تأثير أزمة الطاقة وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل الإنتاج والتوريد والأسواق التي عصفت بها أزمة بما يفوق حجم الأزمة التي نشأت بعد الحرب العربية -الإسرائيلية عام 1973.

إن إدراك ترامب شخصياً وإدارته لخطورة الأزمة وتداعياتها على الاقتصاد المحلي والمواطن الأمريكي، دعاه إلى التراجع وتمديد مدة الإنذار للمرة الثالثة عن تهديداته بقصف البنية التحتية الاستراتيجية لإنتاج الطاقة الإيرانية، ليس قلقاً من رد الفعل الإيراني، وهو رد جدي ولديه القدرة على إلحاق الضرر الشديد بالبنية التحتية للطاقة في الخليج العربي فحسب، وإنما أيضاً بسبب التفاعلات داخل المجتمع الأمريكي، حيث ظهرت أوساط فاعلة ونافذة تنتقد الحرب، باعتبار أن ترامب تورطت فيها لحساب “إسرائيل” ولمصلحة نتنياهو شخصياً.

وهذه التفاعلات، من ارتفاع أسعار الطاقة وما يلحقها من ارتفاع في أسعار النقل والمواصلات والسلع الغذائية والصناعية، لها تأثير مباشر على جيب المواطن الأمريكي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الشيوخ والنواب، في الوقت الذي يعاني فيه الحزب الجمهوري ورئيسه ترامب من تراجع حاد في شعبيته وتدني أسهمه، كنتيجة طبيعية لكل المغامرات السياسية، وآخرها الحرب على إيران، وتأجيج الخلافات مع الحلفاء التقليديين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، وجيران الولايات المتحدة شمالاً وجنوباً.

وفي محصلة المناورات السياسية والإعلامية التي يقودها ترامب شخصياً، والتي يبدو فيها أركان إدارته كأنهم كومبارس، يمكن القول إن الولايات المتحدة  وحليفتها “إسرائيل” لم تحققا نصراً ناجزاً على إيران، ولم تلحقا بها أيضاً خسارة ماحقة، وبصرف النظر عن التفاوت في الخسائر بين الأطراف المختلفة، فإن ذلك لا يمكن أن يشكل وحده ربحاً للحرب، كما أن صمود إيران، رغم الخسائر الفادحة التي لحقت ببنيتها الاقتصادية والتحتية والعسكرية، و الخسائر في الصفوف الأولى للقيادة، لا يعني خروجها منتصرة من هذه الحرب الوجودية.

ويصبح البحث عن مخرج سياسي ودبلوماسي للحرب أمراً لا بد منه، لخروج جميع الأطراف من مأزق انسداد الأفق، الذي ستكون كلفته، دون شك، أعلى من المتوقع على الصعيدين الإقليمي والدولي، خصوصاً بعدما نجحت إيران في أقلمة الحرب وتوسيعها لتشمل بلدان الخليج العربي والأردن والعراق وفلسطين وأذربيجان من جهة، وتدويلها من خلال إغلاقها مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتصدير الطاقة إلى العالم، وتهديدها أيضاً بإغلاق مضيق باب المندب، لاعتقادها بأن الإمساك بهذه الأوراق، إلى جانب صمودها في مواجهة الضربات العسكرية المكثفة والمركزة، سيشكل مصدر قوة تفاوضية لها، يمكنها من وضع شروطها لإنهاء الحرب وضمان عدم تكرارها.

انطلق البحث عن هذا المخرج عبر اجتماع وزراء ثماني دول عربية وإسلامية في الرياض، بالمملكة العربية السعودية، في التاسع عشر من آذار، مع تغييب فلسطين، الدولة والقضية، عن المشاركة في البحث عن حل إقليمي للصراع في المنطقة، رغم أنها ليست طرفاً فحسب في هذا الصراع، بل إنها جوهره ولبّه، وأنه لا أمن ولا سلام ولا استقرار في المنطقة من دون حل القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها.

إن استبعاد مشاركة فلسطين، حتى في البيان الختامي للاجتماع الأول، والتحضير للاجتماع الرباعي الثاني في باكستان، والذي باتت أجندته معروفة، يتسق مع بعض المواقف الرسمية وشبه الرسمية التي عبّر عنها بعض المسؤولين الخليجيين حول الحل الإقليمي وإنهاء الحرب مع إيران بأي نتائج كانت، من دون إدراك أن دولة الاحتلال لن تكون شريكاً أو حليفاً لهم، أياً كانت مواقفهم، بل إن ذلك سيفتح لها باب التحول إلى الدولة الإقليمية الأبرز في إطار تشكيل النظام الإقليمي الأمني والشرق الأوسط الجديد، ويمكنها من فرض شروطها السياسية على المحيط الإقليمي، ويمهد الطريق نحو تحقيق الهدف الذي أعلنه رئيس حكومة اليمين الإسرائيلي نتنياهو حول بناء محور يمتد من الهند إلى القرن الإفريقي بقيادة دولة الاحتلال.

وتالياً لبيان تجاهل فلسطين، سارعت شخصيات خليجية إلى الحديث عن تشكيل “تكتل دفاعي” خاص يرتبط بتحالف مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، دون أي مواربة، وبلهجة مباشرة وواضحة، وهي المرة الأولى التي يخرج فيها مسؤول عربي للحديث عن ذلك منذ عام النكبة، دون الأخذ بعين الاعتبار أن الاستنتاج الأبرز من هذه الحرب هو أن القواعد الأمريكية لم تحم دولهم، بل ثبت أنها كانت بحاجة إلى حماية البلدان المضيفة لها، وأن الرهان على “إسرائيل” كعنصر حماية أثبت أيضاً أنها لم تستطع حماية نفسها من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وأذرعها في لبنان والعراق واليمن.

كما أن الترويج، كما يدّعي البعض منهم، لما يسمى بمتطلبات الانتقال من إنهاء الحرب مع إيران إلى بناء استقرار مستدام، يحتاج إلى إعادة صياغة شاملة لمقاربات الأمن الإقليمي بالصيغة المشار إليها، ويبدأ ذلك بتطوير إطار إقليمي -دولي مشترك يضمن أمن الملاحة في الممرات الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، بما يفصلها عن التجاذبات السياسية ويعيد تثبيتها باعتبارها ركيزة مستقرة في الاقتصاد العالمي.

كما تفرض البيئة الحالية تجاوز المقاربة النووية الضيقة نحو إطار أمني أشمل، يأخذ في الاعتبار القدرات الصاروخية، وحروب الطائرات المسيّرة، وأنماط السلوك الإقليمي القائم على التوتر والتصعيد.

ولا يمكن لأي تسوية أن تكون قابلة للاستمرار دون إدماج ملف الوكلاء ضمن التزامات واضحة تعالج مسارات التسليح والتمويل والتوجيه، بما يمنع استمرار التصعيد عبر قنوات غير مباشرة، وفي الوقت ذاته، تظل فعالية أي اتفاق رهناً بتصميم حوافز اقتصادية تدريجية ومشروطة وقابلة للتراجع عنها في حال الإخلال بها، بما يضمن استدامة الالتزام ويحدّ من مخاطر التراجع.

وأخيراً، فإن إعادة تشكيل الأمن الإقليمي لا يمكن أن تتم دون دور محوري لدول الخليج، ليس فقط بوصفها أطرافاً متأثرة، بل بصفتها فاعلاً أساسياً في صياغة ترتيبات الأمن، بما يعكس وزنها الاستراتيجي ومصالحها المباشرة في استقرار المنطقة.

إن قراءة هذه المحددات، التي تكاد تفسر نفسها، تشير إلى أن الحل الإقليمي يطرح ضمن إطار الأمن الخليجي مع الشركاء الآخرين، وهو، أولاً وأخيراً، لا يصب في مصلحة الدول الخليجية، لأن انتقال مركز الثقل إلى “إسرائيل” سيسحب من دول الخليج العربي مركزها المالي والاستثماري والأمني، وكذلك دورها الإقليمي كفاعل في تأمين السلم والأمن والاستقرار في المنطقة مع الشركاء العرب والدول الإسلامية الوازنة.

إن الخيار الذي يضمن حلاً إقليمياً شاملاً ينطلق من مبادرة السلام العربية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية في القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002، والتي أصبحت أيضاً مبادرة إسلامية بعد تبنيها من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي، وإن التمسك بالمبادرة العربية للسلام يصوّب البوصلة، انطلاقاً من أن الحل الإقليمي للسلام والاستقرار في المنطقة يبدأ من حل القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها، وإنهاء الاحتلال وفق معادلة الأرض مقابل السلام، والتطبيع مقابل الاعتراف.

وبدون ذلك، فإن الحل الإقليمي المتجزأ الذي يسعى إليه البعض تحت المظلة الأمريكية لا يضمن أمن أي طرف، بل يكرس الهيمنة الإسرائيلية كوكيل حصري للهيمنة الأمريكية، ويترك الفلسطينيين في مواجهة حلول جزئية وتقسيمية لم ولن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما أقرتها قرارات القمم العربية وقرارات الشرعية الدولية، والمحصلة أنه لا أمن ولا سلام ولا استقرار من دون أن يضمن أي حل إقليمي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وتجسيد دولته المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى