أقلام وآراء

تدويل وأقلمه الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

أحدث خطاب الرئيس الأمريكي الأخير، الذي وصف بأنه هام وتاريخي، جدلاً واسعاً قبل إلقائه، إذ كثرت التحليلات والتقديرات حول احتمال اتخاذه خطوة منفردة لوقف الحرب على إيران ومنح فرصة لمسار تفاوضي وصفه ترامب بأنه إيجابي عبر باكستان، الوسيط الجديد الموثوق من أطراف الصراع.

غير أن الخطاب لم يحمل أي جديد، سوى تكرار لغة التهديد والوعيد بتوسيع نطاق الحرب وتصعيدها من جهة، وتمديدها لثلاثة أسابيع إضافية لتحقيق ما أسماه “النصر الحاسم”، رغم الإعلان المتكرر مسبقاً عن الانتصار بالمعركة، كما أرجأ ترامب المسّاس بالبنية التحتية المدنية الإيرانية حتى السادس من الشهر الجاري، وتبع ذلك الإعلان عن إرسال طائرات قاذفة جديدة للمنطقة، مع إعلان آخر ذي دلالة هامة يتضمن تنحي رئيس أركان الجيش الأمريكي وجنرالات آخرين، بينهم قائد أركان الجيوش البريّة، في ذروة الحرب وفشل تحقيق النصر المرجو.

وإذا كانت السمّة العامة لخطابات الرئيس ترامب ومؤتمراته الصحفية وما يكتبه يومياً على منصته للتواصل الاجتماعي تتمثل في التخبط والارتجال والارتباك، وعدم الوضوح والتراجع، والتهديد المستمر للجميع، بما في ذلك الحلفاء، والتنمر على قادة الدول الأخرى والإساءة الشخصية لهم ولدولهم، بما في ذلك تهديده بتفكيك حلف الناتو رداً على خذلان الحلف لمشاركته في الحرب وفتح مضيق هرمز، الذي يدعي أنه لا مصلحة له بفتحه أمام التجارة الدولية، وفرض على الدول المتضررة من أزمة الطاقة الحصول عليه بالقوة، وهو عكس ما كان يقوله خلال الأسابيع الأولى للحرب بأنه سيسطر عليه ويديره.

القراءة المكثفة للخطاب الرسمي للرئيس ترامب، في ظل التطورات الميدانية، تقودنا إلى جملة من الاستنتاجات الأولية التي يمكن البناء عليها لرسم صورة تقديرية لمستقبل ونهاية هذه الحرب، التي سيكون لها تداعيات دولية وإقليمية، وبالتأكيد على مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية:

الاستنتاج الأولي للأمن الإقليمي:

– أثبتت وقائع هذه الحرب أن منظومة الأمن الإقليمي لمجلس دول التعاون الخليجي هشة وضعيفة وغير قادرة على رد العدوان الإيراني، وليس ردعه.

– لم تستطع القواعد الأمريكية المنتشرة تأمين الحماية لدول المنطقة، بل أصبحت عبئاً عليها، وأصبح المطلوب من هذه الدول حماية تلك القواعد وقواها البشرية.

– ثبت أن اندفاع بعض دول الخليج للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية والرهان على القوة العسكرية الإسرائيلية كقوة ردع أمام التهديدات الإيرانية رهان غير موفق، إذ لم تتمكن إسرائيل من ردع إيران أو حماية نفسها من الصواريخ والمسيرات الإيرانية.

بالتالي، فإن إعادة صياغة الأمن الإقليمي لحماية الحدود والمصالح الحيوية، والموارد الاقتصادية، وطرق الإمداد، وسلاسل التوريد، والموارد البشرية يتطلب استراتيجية جديدة، تنطلق من رؤية للأمن الإقليمي بعيداً عن المظلة الأمريكية الإسرائيلية، مع صياغة مفهوم للسلام الإقليمي الشامل بمشاركة الصين الشعبية وروسيا الاتحادية.

الاستنتاج الأولي بشأن أقلمة الصراع:

– نجحت إيران في توسيع دائرة الصراع لتشمل أكثر من ثلاثة عشر دولة إقليمية وعربية وغيرها، بانخراط متفاوت في مواجهة حرب لا مصلحة لها ولشعوبها فيها.

– بدا النظام العربي أكثر هشاشة وضعفاً وتمزقاً في ظل هذا التوريط، إذ تأثرت معظم الدول العربية تقريباً بالحرب.

– انخراط أذرع إيران بفاعلية وتوريط دولهم في الحرب لأسباب مذهبية وعقائدية يطرح تساؤلات حول دور “الإسلام السياسي” في تفكيك الدولة الوطنية، وسبل قطع صلة إيران بهذه الأذرع، وهو أحد شروط التسوية لوقف الحرب.

بالتالي، أصبح من الضروري إعادة صياغة استراتيجية منظومة الأمن الإقليمي العربي، بما يشمل النظام الإقليمي العربي في إطار الجامعة العربية، لضمان الأمن القومي العربي، وحماية الدولة الوطنية، ومواجهة الإسلام السياسي كعامل تهديد، والحفاظ على المجال الحيوي العربي من التدخل والانتهاكات، خصوصاً من إسرائيل التي تسعى لصياغة أمن إقليمي جديد وشرق أوسط جديد، وفرض التطبيع على الدول العربية التي لم تنضم بعد للاتفاقيات الإبراهيمية.

الاستنتاج بشأن تدويل الصراع:

– استطاعت إيران، عبر السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي، التأثير على التجارة الدولية للطاقة والأسمدة والمواد المصنعة والزراعية، ووضع العالم أمام أزمة طاقة تفوق في حدتها الأزمة التي نشأت بعد حرب 1973 العربية الإسرائيلية.

– ولدت أزمة الطاقة العالمية ارتفاعاً حاداً في الأسعار على المستوى الدولي، مما أثر على مستويات المعيشة والدخل في جميع بلدان العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية.

– لم تستدعي أزمة الطاقة الدول الأوروبية المتضررة، بما فيها الصين الشعبية، للانخراط في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل بذريعة فتح المضيق، بل عمقت الأزمة الانقسام الدولي وزادت عزلة واشنطن وتل أبيب.

الاستنتاج الأولي والأخير: التسوية الإقليمية:

– بغض النظر عن أهداف الحرب ودوافع مشعليها، ستنتهي كل الحروب الإقليمية والدولية التي يشعلها الوكلاء بتسوية تحددها موازين القوى على الأرض، وهذه الحرب ستفضي إلى تسوية لا تحقق نصراً حاسماً للولايات المتحدة وإسرائيل، ولا هزيمة مطلقة لإيران.

– أي حل سياسي سيقوم على أساس إقليمي لضمان أمن الخليج ومعالجة القضايا الاستراتيجية، مثل تخصيب اليورانيوم، وصناعة الصواريخ البالستية، وأذرع إيران في المنطقة، وضمان عدم تسييس مضيق هرمز وفتحه أمام التجارة الدولية.

– هذه التسوية تفترض رضوخاً إيرانياً ومعادلة إقليمية خليجية تحت المظلة الأمريكية الإسرائيلية، وهو أمر غير واقعي، وحتى لو تحقق، سيبقى عنصر التوتر والانفجار متاحاً في أي وقت.

– أي تسوية مجتزأة لا تضمن الأمن والاستقرار في الخليج، وتتجاهل جوهر الصراع في المنطقة، وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967.

– الحل الإقليمي الشامل يجب أن يقوم على أساس “مبادرة السلام العربية”، القائمة على الأرض مقابل السلام، والاعتراف مقابل التطبيع، والتي وافقت عليها إيران منذ القمة الإسلامية في طهران عام 2003.

– يجب أن يستند الحل إلى الشرعية الدولية والقانون الدولي، مع ضمانات من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، لضمان عدم تكرار الانفجارات والصراعات التي تستغلها القوى الخارجية للسيطرة على مقدرات المنطقة، خصوصاً الطاقة ونقل المركز المالي والاستثماري إلى المراكز العالمية، بما فيها إسرائيل.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى