أقلام وآراء

سقطت “الخطوط الحمراء”.. الغرب يجر العالم إلى حرب نووية

 

    بقلم: خليل حمـد

 

لم يكتفِ الغرب أن يدفع الأمور في أوكرانيا إلى حافة الهاوية، بل يستمر في محاولاته لإيقاع العالم أجمع في “حرب عالمية ثالثة”، ستكون نووية بكل تأكيد، ولن ينجو منها أحد.

المؤشرات تقول بشكل صريح إن الغرب الذي لم يمتلك يوماً أخلاق التنافس الشريف، يستشعر خطر فشل مشروعه في أوكرانيا، فأخذ يشحذ أدوات إجرامه ضد روسيا، عله يجرها إلى نقطة اللاعودة في الصراع المحتدم على أمنها القومي.

في هذا الإطار يأتي الإذن السري الذي منحه الرئيس الأمريكي جو بايدن لأوكرانيا، بتنفيذ ضربات محدودة داخل روسيا باستخدام أسلحة أميركية الصنع، الأمر الذي رأت فيه صحيفة نيويورك تايمز “تحولاً كبيراً” في الحرب المستمرة شرقي القارة العجوز.

للمرة الأولى يسمح رئيس أمريكي بشن ضربات عسكرية داخل حدود خصم نووي، هي روسيا، وذلك استجابة على ما يبدو لمستشاري بايدن وحلفاء أوكرانيا في كلا الحزبين في الداخل الأمريكي، والحلفاء الرئيسيين للإدارة الأميركية، بما فيهم بريطانيا وألمانيا وفرنسا، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي.

قبل ذلك رفض بايدن بشكل قاطع السماح لأوكرانيا باستخدام أسلحة أميركية الصنع خارج الحدود الأوكرانية، لأن ذلك سيعرض العالم لمخاطر “الحرب العالمية الثالثة”، فما الذي تغير يا ترى ؟

خاركيف هي كلمة السر في الحرب الأوكرانية، معركة السيطرة على ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا كانت كفيلة بإقناع جو بايدن بتغيير خطوطه الحمراء، خصوصاً وأنه لا يريد أن تضيع ملياراته الستون الأخيرة لكييف كما ضاعت المبالغ الطائلة التي سبقتها دون تحقيق نتائج في كسر الجيش الروسي أو إرغامه على الانسحاب.

الموقف الأمريكي شجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، المتحدث باسم المستشار الألماني أولاف شولتس، قال إن برلين منحت أوكرانيا الإذن باستخدام أسلحة زودتها بها ألمانيا لضرب أهداف داخل روسيا، كما عبر العديد من الوزراء، وبينهم وزراء خارجية هولندا وفنلندا وبولندا، عن موافقتهم على القرار الأمريكي.

ويشمل التصريح باستخدام الأسلحة الأمريكية من قبل الأوكرانيين، نظام صواريخ الإطلاق المتعددة ((الموجات)) (GMLRS)، ونظام صواريخ المدفعية عالي التحرك (Himars)، وأنظمة المدفعية، أما بريطانيا فقد سمحت قبل أسابيع لأوكرانيا باستخدام أنظمة صواريخ (Storm Shadow) بعيدة المدى لشن هجمات في أي مكان بروسيا.

لكن دولاً أخرى في أوروبا بدأت حملة التصعيد قبل ذلك بكثير، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان طرح منذ شباط/ فبراير الماضي إرسال قوات برية إلى أوكرانيا لـ “منع انتصار بوتين” في الحرب، وهو أمر جدده ساكن قصر الإليزيه مطلع أيار/ مايو في مقابلة نشرتها صحيفة “ذي إيكونوميست” البريطانية، رابطاً الأمر باختراق موسكو ما أسماها “خطوط الجبهة”، وبطلب كييف ذلك من أوروبا بشكل صريح وهو ما لم يحدث حتى الآن، وفي خضم الجدل بخصوص استخدام الأسلحة الغربية ضد موسكو، يرى ماكرون أنه من الضروري السماح لكييف “بتحييد” القواعد العسكرية الروسية التي تطلق منها قوات موسكو الصواريخ على أوكرانيا، معتبراً الأمر بمثابة أحد حقوق امتلاك الأسلحة الغربية بيد الأوكرانيين. الرئيس الفرنسي أسقط الخطوط الحمراء في مسألة الحرب مع روسيا في أوكرانيا، هو مستعد لفعل أي شيء كي لا تنتصر موسكو، فبرأيه الصريح: ” انتصار بوتين في أوكرانيا يهدد أمن أوروبا”.

التصعيد الفرنسي الغربي لم يمرَّ على موسكو، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حذَّر في رسالة مبطنة البلدان الأوروبية الأصغر مساحة من خطورة الانخراط بألاعيب الغرب، قائلاً: “يجب أن يفهموا بماذا هم يلعبون”، الرئيس الروسي لم يستبعد في أيٍّ من خطاباته إمكانية اللجوء إلى الأسلحة النووية للرد على التصعيد الغربي، بدوره، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف، أكد أن روسيا لم يعد لديها “خطوط حمراء” تجاه فرنسا، وفي منشوره على منصة X كتب ميدفيديف باللاتينية: “كل شيء مباح فيما يتعلق بالعدو”. أما على تيليغرام ففصَّل الرجل الذي أقام في الكرملين منذ 2008 وحتى 2012 في سيناريوهات تطور الصراع العسكري مع الغرب بعد التصعيد الأخير، سواء كان إذن استخدام الأسلحة الغربية ضد أراضي موسكو القديمة أو المنضمة حديثاً، في إشارة إلى شبه جزيرة القرم التي لم يعترف الغرب بانضمامها إلى روسيا وفق استفتاء في عام 2014، ولخص ميدفيديف السيناريوهات على الشكل التالي:

  1. سيتم تدمير جميع المعدات العسكرية والمتخصصين الذين يقاتلون ضدنا على أراضي أوكرانيا (السابقة) أو على أراضي أي دول أخرى إذا تم تنفيذ هجمات على الأراضي الروسية من هناك.
  2. تنطلق روسيا من حقيقة أن جميع الأسلحة بعيدة المدى التي تستخدمها أوكرانيا السابقة تخضع اليوم لسيطرة عسكرية مباشرة من دول “الناتو”. أي أن تلك ليست “مساعدة عسكرية” على الإطلاق، وإنما هي مشاركة في الحرب ضدنا، وقد تصبح مثل هذه التصرفات سببا للحرب.
  3. سيتعين على حلف “الناتو” أن يقرر كيفية تصنيف عواقب الضربات الانتقامية المحتملة على المعدات ، المرافق، والأفراد العسكريين في كل دولة من دول الكتلة في سياق المادة 4 و5 من معاهدة واشنطن.

وفي الوقت الذي يعوِّل فيه الغرب على تأثُّر مخزون روسيا من الأسلحة جراء طول مدة الحرب على أوكرانيا والتي تجاوزت العامين بثلاثة أشهر، يخشى الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي من أن كل ما قدمه الغرب لأوكرانيا لا يكفي، صحيفة “الغارديان” البريطانية نقلت عنه قوله إن “روسيا أسرع من الغرب من حيث إنتاج وتوريد الأسلحة لقواتها المسلحة”، وبالتالي فإن رهانات الغرب على توقيت السماح لكييف باستخدام أسلحته ضد روسيا ليست مجدية، بل إنها تهدد بشكل واضح بجر العالم إلى “الحرب الأخيرة” التي لن ينجو منها أحد إذا ما وقعت، ولن يُفيد الولايات المتحدة حينها بُعدها الجغرافي الذي تعوِّل عليه في تصعيد الوضع، فثقب الحرب الأسود إذا ما فُتح سيذيب الجميع، ومن الحكمة العسكرية والسياسية أن لا يضع أحد ظهر عدوه إلى الحائط، وقتها ستكون كل خياراته متاحة، لكن هذا ما يفعله الغرب حرفياً بدعمه لأوكرانيا دون حدود.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى