نحو إعادة تصويب العلاقة الفلسطينية اللبنانية


بقلم: د. أحمد مجدلاني
زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان في النصف الثاني من الشهر الحالي، تعتبر أول زيارة لرئيس عربي يزور لبنان بالعهد الجديد، وهي تأكيد على عمق العلاقات بين الشعبين والبلدين وهي الممتدة عبر عصور طويلة إلى النكبة وما بعدها بانطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، حيث فتح اللبنانيون من مختلف مشاربهم الفكرية والسياسية والمناطقية وعلى اختلاف مذاهبهم صدورهم قبل دورهم لاستقبال الفلسطينيين وقدموا التضحيات الجسام دفاعاً عن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
نقول عهد جديد في لبنان، ليس لأن لبنان انتخب رئيساً جديداً، وشكّل حكومة جديدة بعد تعطل الحياة الدستورية لأكثر من عامين دفع لبنان ثمناً كبيراً لهذا التعطل وخصوصاً بعدما أدخل بحرب الإسناد لدعم غزة في أكتوبر2023 تحقيقاً لما سمّي وحدة الساحات.
لبنان الجديد والمستقبل الذي يحاول الخروج من أزماته التي رهن بها نتاج ربطه بأحلاف إقليمية امتدت لعقود طويلة شلّت قدراته وأمنياته وخطفت منه الدور الاقتصادي والاستثماري والإشعاع الديمقراطي والثقافي الذي تميز به لعقود طويلة.
العهد الجديد يحاول إرساء سلطة الدولة الواحدة وسيادتها على أرضها وحدودها، ليس فقط تلبية لمتطلبات دولية فرضها تنفيذ قراري مجلس الأمن 1701 – 1559، وإنما ارتباطاً أولاً وقبل كل شيء بتأكيد حضور الدولة ومؤسساتها على كافة الأراضي اللبنانية، كشرط ومتطلب في ضوء المتغيرات الإقليمية الكبيرة كنتاج لحرب أكتوبر عام 2023 بسقوط نظام الأسد في سوريا وتراجع دور ونفوذ المحور الإيراني، وسقوط مفهوم وحدة الساحات الذي حاول هذا المحور ربط بلدان هذه المنطقة على إيقاع سياساته ومصالحه الإقليمية والدولية.
هذا المحور لم يكن لبنان المتضرر الوحيد منه ولم يدفع لوحده الثمن بل دفع شريكه الفلسطيني ثمناً كبيراً جراء هذه السياسة من تدمير لوطنه، ومن مقدراته البشرية والمادية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وتجددت محاولات فرض الوصاية والاحتواء، وبرز خطر تحول القضية الفلسطينية من قضية سياسية، قضية حرية واستقلال إلى قضية إغاثية وإنسانية، وطي صفحة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية المبني على أساس “حل الدولتين” المتفق عليه دولياً لتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
نعم دفع البلدان والشعبان ثمناً باهظاً من مقدراتهم البشرية والمادية نتاج زجهم بمحور لم يكن لهم فيه ناقة ولا جمل سوى تثمير مصالح الآخرين التي كانت فوق كل اعتبار.
الزيارة الأخيرة للرئيس محمود عباس كما هي الزيارات التي سبقتها عامي 2010 -2017 والتي أكد فيها بوضوح الموقف الفلسطينيّ الرسميّ، بدعم سيادة لبنان ومد سلطاته الشرعية على كافة الأراضي اللبنانية بما في ذلك المخيمات الفلسطينية، ربما في ذلك لم يكن لبنان جاهزاً بفعل اختطاف قراره إقليمياً من جهة، وخضوع الوضع الفلسطيني في لبنان لتجاذبات قوى ومراكز نفوذ سياسية وحزبية لبنانية.
لكن القرار الفلسطيني الذي لا يتعامل بازدواجية معايير والذي يصر في فلسطين على تطبيق شعار سلطة واحدة وقانون واحد، ونظام واحد، وسلاح شرعي واحد بيد القوات الشرعية صاحبة السيادة، لا يمكن لفلسطين وهي تعمل على ذلك في بلدها أن تشجع وتعمل عكسه في لبنان، الذي دفع الغالي والنفيس في سبيل فلسطين، وواجب فلسطين كما عرفته القيادة الفلسطينية هو في دعم وحدة لبنان وسيادته على أرضه، واستعادة مكانته ودوره في الصف العربي، ودوره الدولي إلى جانب فلسطين وقضيتها التي هي قضية الشعب اللبناني.
القيادة الفلسطينية في تأكيدها على ممارسة لبنان سيادته ومد سلطاته على أراضيه كافة بما فيها المخيمات الفلسطينية كما عبر عنه البيان المشترك اللبناني -الفلسطيني بتاريخ21 ايار 2025 يأني في سياق دعم لبنان والعهد الجديد لمواصلة نهج الاصلاح والتغيير.
البيان اللبناني الفلسطيني عبر عن ارادة سياسية من أعلى مستوى، وشكّل خارطة عمل مشتركة بين البلدين، توجت بالاجتماع الأول للجنة المشتركة، التي وضعت آليات عمل وجدول وسقف زمني لتنفيذ التزامات كلا الطرفين لبنود البيان، رغم الإدراك المسبق بأن القوى المتضررة من إعادة بناء العلاقات الفلسطينية اللبنانية على أسس جديدة أساسها دولة مقابل دولة، واحترام سيادة واستقلال كل منهما، سيسعون إلى وضع العقبات والعراقيل أمام تنفيذه.
تأكيدنا المشترك بأن المخيمات الفلسطينية وسلاحها لا ينبغي أن يكون جزء من التجاذبات السياسية اللبنانية – اللبنانية ولا في أبعادها الإقليمية، وليست ملاذاً آمناً لقوى التطرف والإرهاب من كل حدب ولون وصوب، والتي حولت المخيمات إلى مربع للفتنة الفلسطينية الفلسطينية، واللبنانية الفلسطينية.
الشعب الفلسطيني في لبنان له مصلحة في تخطي المرحلة الماضية، وشق الطريق نحو مرحلة جديدة يسهم فيها الفلسطيني في التنمية الاقتصادية وإعادة إعمار لبنان، وضمان أمنه واستقراره، انطلاقاً من تمتعه بكافة حقوقه المدنية والاجتماعية والاقتصادية التي كفلها البيان المشترك، وهو ما تقوم اللجنة المشتركة لضمان تطبيقه، سواء بتعديل التشريعات والقوانين اللازمة، بما يكفل نزع القيود على حرية العمل ومبدأ المعاملة بالمثل بحقوق العمل والتملك، وإلغاء كافة القيود المعمول بها على إعادة إعمار وترميم المخيمات، وإنّ إعادة دمج الفلسطيني في النسيج الاجتماعي والاقتصادي اللبناني ليس تخلياً أبداً عن هويته الوطنية ونضاله السياسي اتجاه قضيته، وبذات الوقت ليس توطيناً الذي يرفضه شعبنا بكافة أطيافه من حيث المبدأ، بل هو تأكيد المؤكد أن الفلسطينيين ضيوف أعزاء على شعب وبلد كريم ومعطاء إلى حين عودتهم إلى وطنهم.
نضال الشعب