قضية للمناقشة: حرية بلا ضفاف
بقلم: فريدة النقاش
اجتمع كتاب وأدباء من ست عشرة دولة عربية في مدينة “أبو ظبي” وفي إطار المؤتمر العام السادس والعشرين للاتحاد العام للادباء والكتاب العرب في الفترة من الرابع والعشرين حتي التاسع والعشرين من ديسمبر. ولما كان موضوع الندوة التي عقدت علي هامش المؤتمر هو “أزمة المفاهيم حول الحريات وحقوق الإنسان” فقد كان المسكوت عنه هو القابع في خلفية ضمير ووجدان المبدعين والمفكرين المشاركين.
إذ أن الشاعر الفلسطيني الأصل سعودي الجنسية “أشرف فياض” مازال يقبع في أحد سجون المملكة منتظرا تنفيذ حكم الإعدام الذي دفعت به إليه واحدة من جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد قراءة خاصة لقصيدة كان قد كتبها الشاعر ونشرت في أحد دواوينه قبل عشر سنوات!
وكتب الأديب “محمد سلماوي” قبل أن يترك موقع الأمين العام للاتحاد لصالح الشاعر الإرماراتي “حبيب الصايغ” رسالة للملك “سلمان بن عبد العزيز” قال فيها “إن الإبداع الفني- والشعري منه علي وجه الخصوص- كما هو معلوم لجلالتكم، يستخدم المجاز، ويصنع الصور الفنية التي يقصد بها توصيل المعني متواريا وليس مباشرا، مما يصعب تأويله إلا علي ذوي الاختصاص من نقاد الأدب ودارسيه..”.
ويضيف “سلماوي” ”إن الإنتاج الأدبي عموما، وأوله الشعر، يحتاج إلي مساحات واسعة من الحرية، والخيال الذي لا تقيده قيود، مما حدا بنبينا العظيم- صلوات الله وسلامه عليه- أن يغفر للشاعر “حسان بن ثابت” بعض ما قاله في شعره مما بدا أنه مساس بأقدس المقدسات” ودخلت رسالة “سلماوي” ضمن وثائق المؤتمر، دون أن يتخذ المؤتمر موقفا واضحا من قضية الشاعر فياض!
وتأكدت لدي هواجس طالما سعيت لمراجعتها حول الحريات في الوطن العربي والتي ذكرنا القاص “سعيد الكفراوي” بقول “يوسف إدريس” عن وضعها “إن كل ما هو متوافر من الحرية في الوطن العربي لا يكفي كاتبا واحدا”.
واقتربت الندوة التي ناقشت أزمة المفاهيم حول الحريات وحقوق، اقتربت بخجل من الممارسات الاستبدادية المتزايدة ضد الحريات في الوطن العربي، وبقيت الهواجس كما هي إذ أن أدوات التعبير تتكاثر من قنوات تليفزيونية لمحطات إذاعية لصحف ومجلات ودور نشر فضلا عن التجديد المتواصل في آليات الشبكة العنكبوتية من “الفيس بوك” “لتويتر” وغيرهما، ولكن حرية التعبير تتقلص، وتضيق عليها المساحات بسبب تحكم أموال النفط في الوسائط.
توقع الحكومات العربية علي المواثيق والاتفاقيات الدولية، ولا تشعر بأي حرج وهي تنتهكها جهارا نهارا غالبا تحت شعار “خصوصيتنا”. ودائما ما تكون هذه الخصوصية المزعومة انتقاصا من المعايير العالمية ذات الشمول الإنساني، وهي معايير توافقت عليها البشرية التي بلورت عبر هذه المواثيق والمعاهدات كل القيم الايجابية التي تضمنتها ثقافات الشعوب ودياناتها وتجاربها وخبراتها المتراكمة.
ويجري الخلط بين الازدواجية وانتهاك المعايير والعدوان علي حقوق الشعوب الذي تمارسه القوي الامبريالية، وهي تغلب منطق القوة علي منطق العدل، وبين أصل المعايير والحقوق التي توافقت عليها البشرية، ولسان حال سلطات الاستبداد يقول “انظروا.. لسنا نحن وحدنا من ينتهك المعايير.
لم يقبل الباحثون والباحثات الوقوف تحت السقف المنخفض، بل كافح بعضهم لتجاوزه ومعالجة قضية الحريات وحقوق الإنسان من كل جوانبها، رغم أن الكثيرين منهم اختاروا- إن بوعي أو تحت الضغط- أن يعبروا عن سلطات بلادهم، ولاحظ الشاعر المصري “حسين القباحي” عضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب المصريين أن المثقف المستقل لا يوجد إلا في مصر .ولعل حبس الباحث في الإسلاميات “إسلام بحيري” بتهمة ازدراء الدين أن يكون برهانا.
برزت رغم كل هذه الظروف افكار لامعة. ورؤي تعب أصحابها عليها. وجرت مناقشات مهمة لا حول أزمة المفاهيم وحدها- وهي عميقة- وإنما تجاوزت العنوان إلي المتن المسكوت عنه في بعض السياقات العربية وبعض البلدان.
وكان بوسعنا أن نتابع في هذا المؤتمر حالة الشعر العربي الآن، ونحن نستمع إلي الأجيال الجديدة نساء ورجالا، وقد جاءوا إلي هذه الساحة لعلهم يبحثون في خضم قلقهم الوجودي العارم عن حرية بلا ضفاف، فمثل هذه الحرية ستظل عنصرا أساسيا من عناصر تطورنا وتقدمنا، ولم تكن مصادفة أن الثورات العربية طرحت الحرية شعارا أساسيا في سياق هجومها علي العالم القديم الذي كبل طاقة الشعوب وفي القلب منها المبدعون والمبدعات.
