العرب بين قمتين


بقلم: د. أحمد مجدلاني
تعقد القمة العربية الاستثنائية بطلب من دولة فلسطين بالقاهرة في الرابع من آذار الجاري بعد تأجيل لعدة أيام، استوجبته التحضيرات السياسية وإنضاج الموقف العربي بصورة موحدة للرد على مقترح الرئيس ترامب بتهجير سكان قطاع غزة للأردن ومصر، والسعودية لاحقا وبلدان أخرى، هذا مع إضافة الدعم غير المشروط لنتنياهو بالمضي قدما بتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية تمهيدا لفرض الضم الكلي أو الجزئي عليها، مما يعني بالضرورة موجة تهجير جديدة للأردن تضاف إلى الموجة المهجرة من قطاع غزة. مشروع ترامب نتنياهو لا يعني فقط تدمير حل الدولتين المتفق عليه دوليا على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، فهو اعادة صياغة الخارطة الديمغرافية والجيوسياسية في المنطقة لتنسجم مع شرق أوسط جديد، ونظام إقليمي مركب على مقاس المصالح الإسرائيلية والأمريكية.
وتباعا للقمة الاستثنائية ستعقد القمة العربية الاعتيادية في بغداد ووزعت الحكومة العراقية الدعوات لتنطلق في الأسبوع الأول من شهر أيار القادم.
وما بين القمتين وقبلهما جرت وتجري تحولات عميقة ومؤثرة على النظام الدولي، وعلاقات توازن القوى إقليميا ودوليا بين اللاعبين الكبار الولايات المتحدة، وروسيا الاتحادية، والصين الشعبية.
وبدون شك تشير هذه التحولات لانتقال العالم من حالة التوازن بالقوى ما بين الولايات المتحدة الأمريكية التي حاولت الاحتفاظ بقيادتها للعالم وللنظام الدولي الأحادي القطبية وهو ما تحاول ادارة ترامب مواصلته ، لكنها تزيد الأمور سوء بتخبطها في سياساتها الخارجية التي استفزت كل دول العالم بما فيها حلفائها التقليديين من جيرانها كندا والمكسيك، للقارة الأوروبية، ولبلدان الاعتدال العربية، وما بين بزوغ نظام دولي جديد متعدد الأقطاب تلعب فيه كلا من روسيا الاتحادية والصين الشعبية ، والهند علاوة على الدول الصاعدة كالبرازيل وجنوب افريقيا دورا مقررا في السياسة الدولية لإعادة الاعتبار للأمم المتحدة والقانون الدولي والشرعية الدولية كأساس للعلاقات بين الدول وليس سياسة الهيمنة وتهميش المؤسسات الدولية، والخروج عن القانون الدولي بالاعتماد على سياسة القوة والتخلي عن سياسة المعايير المزدوجة التي لم يعد لها داع بالعلاقات الدولية الجديدة.
في كلتا القمتين ينبغي على صانع القرار السياسي العربي التنبه لبعض هذه المتغيرات الدولية الجديدة، مفاوضات امام وسائل الإعلام ومحاولات الإخضاع بالإكراه والقوة لرئيس أوكرانيا ليس من أجل وقف الحرب والسلام، وإنما من أجل التنازل عن ثروات بلاده لصفقة غير عادلة يريدها ترامب بادعاء التعويض المبالغ فيه عن الدعم المقدم لأوكرانيا في حرب دفعت إليها لتخوضها بالوكالة عن الناتو .
الدرس الأساس من واقعة أو “موقعة” البيت الأبيض أن ترامب وفريقه يريد أن يفرض نمطا جديدا بالعلاقات الدولية جوهرة وأدواته الضغط والابتزاز والترويع وتصدير الخوف، هذا المضمون كان سائدا بالسابق بالسياسة الخارجية الأمريكية إلا أن تنفيذه كان يتم بوسائل دبلوماسية ناعمة لا تحمل هذا القدر من الإهانة والاستهانة بقادة الدول والشعوب ، هذه “الواقعة” معطوفا عليها السياسة الأمنية الأطلسية التي خلقت خلافا بين ضفتي المحيط، والعودة للدعوة لسياسة أمنية أوروبية تعتمد على الذات عمقت هذه الرؤية أيضا السياسة الضريبة الجديدة التي من شأنها أن تشل الاقتصاد الأوروبي.
ربما “موقعة” البيت الأبيض وجشع ترامب للسيطرة على موارد أوكرانيا والطريقة التي عومل بها زلينسكي دفعت الأطراف الأوروبية الفاعلة وذات الاقتصادات القوية والتي لديها نزعات استقلالية للتحرك لحماية مصالحها الاستراتيجية ليس فقط من الخطر الروسي فقط، وإنما من مخاطر سياسية ترامب .
ما يستدعي من القادة العرب استخلاص الدرس الأهم من ” واقعة” البيت الأبيض أنه لا ينبغي أن يستفرد ترامب بأي رئيس عربي اولا، ولن يستطيع أي طرف بمفرده مواجهة الموجة العالية لترامب وجموحه غير المحسوب خصوصا في مشروعه الذي يمس الأمن القومي العربي ثانيا، ويتطلب وضع استراتيجية عربية لمواجهه وإحباط مشروعه انطلاقا من الدفاع عن الأمن القومي لبلدان المنطقة، وتصحيح المسار بأن السلم الإقليمي والأمن والاستقرار بالمنطقة لن يتحقق بدون ممارسة الشعب الفلسطيني حقه بتقرير المصير وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة طبقا لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
ولدى العرب من أوراق القوة لاستخدامها ليس للدفاع عن مصالحهم المشتركة فحسب وإنما لصياغة قواعد للتعامل تحفظ حقوقهم ومصالحهم، انطلاقا من الأخذ بعين الاعتبار المتغير الإقليمي المتمثل بانهيار ما كان يسمى محور المقاومة الذي هو في الواقع محور إيران الممتد من طهران لصنعاء، مرورا بلبنان وذراعه حزب الله ودمشق وحركة حماس التي تصدرت المشهد بالوكالة عن أطرافه.
انهيار محور ايران بالقدر الذي اراح المنطقة من عوامل عدم الاستقرار دفع بلدان الاعتدال العربي التي كانت في موقع الوسط في التجاذبات الإقليمية والدولية لآن تتصدر المشهد السياسي وتعيد بناء استراتيجياتها بناء على التحولات الدولية وأن الاوان لتقدم شيئا بدون ثمن خاصة بعد غياب التهديد الإيراني الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية اول المستفيدين منه لتطويع المنطقة بذريعة الدفاع أمنها.
المتغير الثالث والمهم أن هناك انسجاما ما بين الموقف الرسمي والشعبي لدول الاعتدال العربي الذي لم يكن متوفرا سابقا بهذا القدر، المواقف الشجاعة والقوية التي اتخذتها عواصم هذه البلدان بالرد على مقترح ترامب بتهجير سكان قطاع غزة لاقي التفافا شعبيا ودعما عزز من مواقف أنظمة الاعتدال العربي في مواجهة أي ضغوط مستقبلية.
ليس من خيار أمام القمة الاستثنائية بالقاهرة سوى دعم الشرعية الفلسطينية، انطلاقا من المشكلة ليست بالنظام السياسي الفلسطيني ولا بوجود الشعب الفلسطيني على ارضة بل بوجود الاحتلال الذي ينبغي ازالته، واليوم التالي بغزة هو ما تقرره الشرعية الفلسطينية مع شركائها العرب وليس في استمرار سيطرة حركة حماس على قطاع غزة التي تعيق وتعطل أي حل سياسي، وخطة التعافي المبكر واعادة الاعمار.
دعم وتعزيز الشرعية الفلسطينية وتمكين حكومتها في قطاع غزة والضفة الغربية هو أولا وقبل كل شيء هو حفاظا وتعزيزا لشرعية النظام الرسمي العربي.
نضال الشعب