لبنان: حرب مفروضة وتداعيات داخلية متصاعدة


بقلم: د. فريد اسماعيل
لبنان في خضم مسار من الحروب المضاربة الروايات. حبكة حقيقتها ترسم بعيدا عن لبنان الذي تم وضعه أمام أيام سوداء، ومرحلة حرجة جدا تنذر بخسارته جزءًا من أرضه. حرب لم يختارها لبنان ولم تكن تريدها معظم مكوناته الشعبية والسياسية والطائفية، ولذلك لا تقرأ هذه الحرب على لبنان إلا نتيجة قرار خارجي مهما تعددت السرديات. قرار لا قدرة للبنان الذي يعاني أزمات متراكمة أن يتحمل تبعاته، تظهر تجلياته بتفاقم الخلاف الذي بدأ يتخذ منحنى عموديا بين الدولة اللبنانية وحزب الله، مع ما يرافق ذلك من احتقان على مستوى القوى السياسية المختلفة كما على المستوى الشعبي رغم كل ما يبذل من جهود للحفاظ على حالة التماسك الاجتماعي والوطني في ظل عملية نزوح كبيرة تجاوزت المليون وثلاثمئة ألف نازح حتى اللحظة، والعدد مرشح للازدياد.
ليست المرة الأولى التي تتقاطع فيها على أرض لبنان صراعات اقليمية ودولية، ما أنتج سرديات متضاربة حول معنى هذه الحروب ودور اللبنانيين فيها. سرديات تتراوح بين اعتبار لبنان ضحية لصراعات خارجية، وبين تصويره كفاعل اساسي في معادلة المقاومة أو التسويات. فلبنان ورغم صغر مساحته، إلا أنه محكوم بجغرافيا سياسية وتنوع طائفي وسياسي تجعله متأثرا ومؤثرا في قضايا المنطقة وازماتها وتداخلاتها الإقليمية والدولية. وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلا، إلى مرحلة النهوض القومي واليساري والثوري، حين اعتمد شعبنا الفلسطيني وثورته الكفاح المسلح شكلا للنضال المتناسب مع طبيعة المرحلة آنذاك، وقفت الأحزاب الوطنية اللبنانية وشعب لبنان بغالبيته مع ثورتنا، وانخرط الآلاف من شبابه في صفوف فصائلنا المناضلة، باعتبار قضية فلسطين هي قضية الفلسطينيين واللبنانيين والعرب، وبدعم من شعوب العالم وحركاته التحررية وقطب عالمي كالاتحاد السوفياتي ومجموعة الدول الاشتراكية. ومن الواجب فصل تلك المرحلة عما تبعها من مراحل اتسمت بصراع على النفوذ والتمدد والهيمنة وتفتيت العالم العربي والسيطرة على مقدراته.
أما سردية دعم القضية الفلسطينية وتحرير القدس، فما هي إلا أداة سياسية لتبرير التدخلات وتأمين غطاء شعبي لأن تلك الدول لا سيما الاقليمية، تدرك بأن التوغل المباشر والسريع إلى الوجدان العربي واخضاعه يكون عبر رفع شعار فلسطين، وحينها وعبر الخلط ما بين هذا الشعار وشعارات دينية أو مذهبية مدروسة يمكن تأمين ولاء شرائح واسعة من المجتمعات المحلية، وهذا ما هو حاصل في لبنان. إلا أنه ومنذ اتفاق الطائف العام ١٩٩٠ والذي أنهى الحرب الأهلية ولكنه لم يمنع التدخلات الخارجية، تم تكريس أدوار جديدة مرتبطة بالتحولات الاقليمية، وتبدلت الكثير من السرديات. إلا أن الانقسامات في الشارع اللبناني تحولت من شكلها الأفقي إلى المنحنى العمودي مع اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وصلت اليوم إلى حد مقلق جدا بعد دخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران، ما يعتبره لبنان الرسمي زجا للبنان في حرب لم يختارها وهي امتداد لحروب الآخرين على أرضه.
إسرائيل المتربصة بلبنان، استثمرت في الصواريخ الست التي أطلقها حزب الله ثأرا لاغتيال المرشد الأعلى، لتبدأ مسارا يتقدم نحو إعادة رسم الوقائع الميدانية والسياسية عبر توغلات أوسع ضمن نهج مدروس، تستهدف مواقع ذات قيمة استراتيجية عالية في توقيت محسوب يشي بأن ما يجري يشكل جزءًا من تصور طويل الأمد لإدارة الصراع، واستخدام الضغط الديمغرافي عبر تهجير سكان منطقة جنوب الليطاني وفرض واقع سكاني جديد بقوة الميدان، على إيقاع خرائط جديدة يجري إعدادها بهدوء في دوائر القرار الخلفية.
أما على الصعيد الرسمي اللبناني، فقد حاول الرئيس اللبناني القيام بخطوة استباقية من خلال تقديمه مبادرة للتفاوض المباشر مع إسرائيل، إلا ان دولة الاحتلال ردت على هذه الدعوة بإعلان رسمي ببدء عملية برية ضد لبنان هدفها فرض واقع جديد يتمثل بإقامة منطقة أمنية وأخرى عازلة تمتد حتى نهر الليطاني قبل الجلوس الى طاولة المفاوضات. كذلك قوبلت المبادرة بتهميش وتجاهل امريكي كامل، وذلك يعود، استنادا الى مصادر عدة، الى فقدان الولايات المتحدة الأمريكية ثقتها بقدرة السلطات اللبنانية على تنفيذ ما تتخذه من قرارات أو ما تلتزم به من وعود، إذ أن الرسائل الدبلوماسية التي وصلت إلى بيروت لم تكن إيجابية على الإطلاق رغم كل الجهود الفرنسية المبذولة على خط مجلس الأمن ومع كل الفرقاء الفاعلين.
أما الأخطر في لبنان اليوم فهو التطور الدراماتيكي في حجم الانقسام السياسي وحتى السيادي مضافا إلى الاحتقان الاجتماعي والأمني المتزايد في بعض المناطق اللبنانية نتيجة النزوح الجماعي والاكتظاظ وغياب الخدمات الأساسية، إذ أن الأزمة تجاوزت بعدها الإنساني لتأخذ ابعادا سياسية وديمغرافية كبيرة، حيث تتخوف بعض الشرائح اللبنانية من أن استمرار النزوح لفترات طويلة قد يؤدي إلى خلل ديمغرافي في بيروت ومناطق أخرى تتسم ببيئة اجتماعية وسياسية وطائفية مختلفة مع احتمالية تصاعد التوترات الأمنية، ما يثير قلقا شعبيا خاصة في ظل تصاعد لغة التخوين والعمالة ، والتي دخلت على خطها قيادات وازنة في حزب الله موجهة التهديدات للحكومة وللداخل خاصة بعد قرار الحكومة اللبنانية بحظر الجناحين العسكري والأمني للحزب،ما دفع رئيس الحكومة الى الدعوة عبر مقابلة متلفزة الى نبذ خطاب التشفي من جهة وخطاب التخوين والتهديد من جهة أخرى باعتباره تحريض على الفتنة والحرب الأهلية وصولا إلى التهديد بتهويد سلطة الدولة، مذكرا أن الدولة هي مرجعية يحتكم إليها وليست طرفا يتم تهديده، داعيا إلى قراءة المتغيرات في عين حماية لبنان. لكن بعد القرار الذي اتخذه لبنان بسحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني واعتباره شخصا غير مرغوب به مع تحديد مهلة للمغادرة، ظهر الى السطح الانقسام السيادي حيث طلب رئيس مجلس النواب اللبناني من السفير عدم مغادرة لبنان، كذلك اعتبر حزب الله هذا القرار خطيئة استراتيجية متهما وزير الخارجية اللبناني بالاصطفاف إلى جانب العدو الصهيوني، ما ينذر بتداعيات خطيرة على الصعيد الداخلي سوف يكون من الصعب ضبطها أو التحكم بمجرياتها، وهو ما يخشاه اللبنانيون في اليوم التالي للحرب.