ماذا يعني خلاف ترامب وماسك؟


مواجهة السياسة والاقتصاد.. ماذا يعني خلاف ترامب وماسك؟
بقلم: خليل حمد
أهو خلاف أم اختلاف أم مواجهة تم التراجع عنها؟ العناوين محيِّرة في قراءة ما يحدث بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته من جهة والملياردير الأمريكي إيلون ماسك. فبعد أيام من ظهور الخلاف على العلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تصريحات المتحدثين باسم المناصب الحكومية، بدا ماسك أكثر مرونة وهو يعيد نشر منشورات ترامب ونائبه جي دي فانس حول احتجاجات لوس أنجلس.
وإذا كان المال هو المحرك الأساسي للخلاف، فإن المال نفسه سيكون ثمن الخلاف الذي سيدفعه ماسك (الرجل الأغنى في العصر الحديث) وترامب (الملياردير الذي وصل إلى البيت الأبيض من عالم الأعمال)، كما ستدفع أمريكا عموماً ثمن هذه المواجهة.
تقول المصادر إن الخلاف بدأ في شباط/ فبراير الماضي، وبدأت بوادره في الظهور بعد أن غادر ماسك الإدارة الأميركية بشكل مفاجئ بعد 129 يوماً تلت تعيينه وزيراً “للكفاءة الحكومية” عمل خلالها على خفض تكاليف الحكومة الفدرالية و”وقف الهدر” مع فريقه. ورغم الوداع الحافل من قبل ترامب لمموله الأكبر في حملته الانتخابية إلا أن عبارة الرئيس الأمريكي: “سيكون دائما معنا، ويساعدنا على طول الطريق” لم تكن تستشرف ما سيحدث بعد أيام قليلة.
انتظر ماسك حتى 3 حزيران/ يونيو ليشن حملة شرسة على “مشروع قانون الضرائب والإنفاق” الذي وقّعه ترامب، واصفاً المشروع أنه “فظيع ومليء بالحماقات.. وعمل مقزز ومثير للاشمئزاز”. فكان رد ترامب أن نشر على منصة “تروث سوشيال” صورة لماسك وهو يعلن استقالته من الحكومة، ثم قال الرئيس الأمريكي للصحفيين في المكتب البيضاوي: “كانت علاقتي بإيلون رائعة. لا أعرف إن كنا سنستمر كذلك بعد الآن”، في تأكيد على تدهور علاقته مع ماسك.
خسائر كبيرة للملياردير الأمريكي صاحب شركة “سبيس إكس” لتكنولوجيا الفضاء في هذه المعركة. يقول الرجل إن إنفاق الكونغرس الهائل سيؤدي بالبلاد إلى الإفلاس، فيرد عليه ترامب أن الحكومة الأميركية قد توفر مليارات الدولارات من ميزانيتها بإنهاء العقود والإعانات الممنوحة لشركات ماسك! يهدد ماسك بإيقاف تشغيل مركبة “سبيس إكس دراغون” الفضائية التي أعادت رواد فضاء “ناسا” من محطة الفضاء الدولية، فتنخفض أسهم شركة “تسلا” المملوكة لماسك بنحو 14 في المائة بعد يومين، وتمحو نحو 150 مليار دولار من القيمة السوقية للشركة، ويخسر ماسك 34 مليار دولار من صافي ثروته الشخصية، وهو ما يقوض مكانته كأغنى رجل في العالم.
لكن الخسائر هنا متبادلة، يدرك ماسك هذا الأمر. كتب الرجل في أحد منشوراته: “سيبقى ترامب في السلطة لمدة 3 سنوات ونصف سنة أخرى كحد أقصى، في حين سأبقى كذلك لمدة 40 عاماً قادمة، لذا قم بحساباتك جيداً”. هذا صحيح نسبياً، فترامب خسر دعم أغنى رجل، وأحد أبرز أسباب وصوله إلى البيت الأبيض، وهذا ينسحب على الجمهوريين الذين هددهم ماسك بأنه سيعمل على خسارتهم في الانتخابات النصفية لأنهم “خانوا الشعب الأمريكي” على حد تعبيره، أما بلغة المال، فقد فقدت أسهم “مجموعة ترامب للإعلام والتكنولوجيا” أكثر من 44% من قيمتها منذ بداية العام، ما كلف ترامب نحو 1.7 مليار دولار من صافي ثروته. استمرار الخلاف يهدد بتراجع إضافي لشركة “ترامب ميديا”.
أما الخاسر الأكبر في كباش الأغنى والأقوى فهو الشعب الأمريكي. تغلغلت شركات ماسك التكنولوجية الأكثر ابتكاراً في تاريخنا المعاصر في عمل العديد من المؤسسات الحكومية الأمريكية، التي باتت تعتمد على هذه الشركات لتنفيذ مهام حيوية واستراتيجية منذ سنوات سبقت ولاية ترامب الثانية. الخلاف بين الرجلين، وتأثر شركات ماسك بنتائج “قانون الضرائب والإنفاق” يهدد عمل هذه المؤسسات ومن أبرزها وكالة “ناسا” ومجمل البرنامج الفضائي الأمريكي، وهو ما ترى فيه وزارة الحرب الأمريكية “البنتاغون” تهديداً للأمن القومي الأمريكي. لا يعني هذا أن المواطن الأمريكي كان ينتظر دوره خلال سنوات كي يقوم برحلة سياحية في المريخ، لكن الأمر يعني مزيداً من الاقتطاعات الضريبية لصالح ترميم النقص في تمويل البرامج العسكرية الفضائية التي يعتبرها ترامب أكبر مشاريعه طموحاً في مواجهة “التهديد الكارثي عبر هجوم صاروخي محتمل على الأراضي الأمريكية”. أضف إلى ذلك أن تأثر شركة السيارات الكهربائية المملوكة لماسك “تسلا” سيؤدي بالضرورة إلى تقوية السيارات الكهربائية الصينية.
لكن المناورات السياسية لا تزال متاحة بالنسبة لماسك. في ذروة التراشق الكلامي بينه وبين ترامب بدأ ماسك على منصة X استطلاع رأي حول “حاجة الولايات المتحدة لحزب سياسي جديد”، حزب سبق وأطلق عليه ماسك اسم “ذا أميركان بارتي” وحصد تأييد نحو 80% من الأمريكيين، الذين هم أغلبية صامتة ومعتدلة برأي ماسك، ويجب أن مثلهم حزب قومي يهتم لشؤون أمريكا، وأمريكا أولاً، وفقط! شيء يُشبه إلى حد بعيد شعارات البرنامج الانتخابي لترامب: “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. يختلف الرجلان على التفاصيل وليس على الأهداف الكبرى. ورغم ذلك، أثر ويؤثر هذا الخلاف على إدارة ترامب في ولايته الثانية، لأنه يذكر بسيناريوهات ولايته الأولى التي اتسمت بالخلاف على التفاصيل مع أركانها، وصلت إلى حد استقالة أو إقالة شخصيات “وازنة” كوزراء الخارجية والداخلية والصحة.
ورغم هذا الخلاف الواضح، أعاد ماسك نشر تغريدتين لترامب ونائبه دي فانس مؤيدة للرد الحكومي على احتجاجات لوس أنجلس، وأرفقهما برمز تعبيري للعلم الأمريكي، في بادرة “حسن نية” ربما تجاه ترامب الذي لم يبدِ أي رغبة حتى الآن في إعادة التواصل مع حليفه السابق.
المعركة ليست سهلة على الطرفين بكل تأكيد، لكنها أيضاً ستؤثر بشكل متفاوت على الأمريكيين وعلى بقية دول العالم، ذلك أن انشغال الرئيس الأمريكي بمواجهة داخلية يمكن أن يؤثر على ملفات عالمية أخرى، كأوكرانيا مثلاً التي ينخرط فيها ترامب منذ مدة، والأهم الوضع في فلسطين والمنطقة، في ظل فشل أو عدم رغبة ترامب في كبح جماح حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب، التي تواصل قتل الأبرياء في غزة والضفة دون أن يوقفه أحد. ربما يستثمر عملاقا المال والسياسة خلافهما لإلهاء العالم عن قضية فلسطين العادلة. ببساطة، يختلف المال والسياسة في أمريكا، فيواصل الأبرياء دفع الثمن!