أقلام وآراء

مهماتنا الملحّة لليوم التالي لوقف الحرب

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

لدينا اليوم إجماعٌ دوليٌّ وعربيٌّ وإقليميٌّ وفلسطينيٌّ على تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، وهي بالنسبة إلينا كفلسطينيين تُعدّ أولويةً مطلقة، لأنها تمسّ جوهر ما كان يهمّنا: وقف الإبادة والقتل بالتجويع، والتهجير، والحصار. وما يهمّنا الآن، بعد التوقيع، هو ضمان تنفيذ الاتفاق بكل عناصره الرئيسية:

وقف الحرب، تبادل الأسرى والمحتجزين، إدخال المواد الغذائية وفق اتفاق 19 كانون الثاني/ يناير الماضي، انسحاب جيش الاحتلال من المناطق المتّفق عليها في خارطة الانسحاب الأولى، وعودة النازحين إلى مدينة غزة وشمالها.

إنّ قلقَنا مشروعٌ من احتمالِ أن يُقدِم نتنياهو على افتعالِ ثغراتٍ تُتيح له إيجادَ ذرائعَ لتعطيل تنفيذِ المرحلةِ الأولى، أو فرضِ شروطٍ جديدةٍ تمسُّ عناصرَها أو تسلسلَها المتفقَ عليه، وهي مسؤوليةٌ تقعُ على عاتقِ الرئيسِ الأمريكي دونالد ترامب والوسطاءِ المعنيّين بضمانِ التنفيذِ الدقيق للاتفاق.

وإذ نتابع باهتمام تنفيذ المرحلة الأولى، رغم أهميتها الجوهرية بوصفها أساساً للمرحلة التالية، فإنّ السؤال المركزي هو: ماذا سنفعل في المرحلة الانتقالية، أي في اليوم التالي لإتمام المرحلة الأولى؟

إنّ خطة ترامب، وهي أقرب إلى إطار عام منها إلى مبادرةٍ تفصيلية، تحتوي على عناصر غير مترابطة، وتنطوي على العديد من الثغرات التي قد تجعلها غير قابلةٍ للتطبيق، بسبب ما يعتريها من غموضٍ وحاجتها إلى آلياتٍ تفصيلية تُمكّن من تنفيذها، لكن الأهمّ من كل ذلك أنّ عناصر الخطة تستبعد أيَّ دورٍ للسلطة الوطنية الفلسطينية في هذه المرحلة، ولا وجود لمنظمة التحرير الفلسطينية على طاولة المفاوضات لبحث ترتيبات “اليوم التالي”.

إنّ مهمّتنا السياسية تتمثّل في الدخول في اشتباكٍ تفاوضيٍّ مع خطة ترامب، بدعمٍ من شركائنا في صناعة السلام، وعلى رأسهم السعودية وفرنسا، بهدف تطوير عناصر الخطة وتحويلها إلى آلياتٍ محدّدة قابلةٍ للتنفيذ ضمن جدولٍ وسقفٍ زمنيٍّ واضحٍ وملموس، وربطها بالحكومة الشرعية الفلسطينية، انطلاقاً من وحدة الأرض الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، ووحدة الشعب الفلسطيني، والولاية السياسية والقانونية والجغرافية لمنظمة التحرير ودولة فلسطين.

نرى أنّ من المهمّ والملحّ اتخاذ الخطوات التالية لإحباط أي محاولةٍ لاستبعادنا عن تقرير مصير ومستقبل غزة في “اليوم التالي”، وربطه بالضفة الغربية بما فيها القدس، وللتصدّي للوصاية الدولية المقترحة من دون تفويضٍ أممي، وبما يمكّننا من رسم مصيرنا ومستقبل قضيتنا الوطنية بأنفسنا، في وقتٍ يستعدّ فيه الآخرون لحفلٍ دوليٍّ يعلن انتهاء الحرب بغياب أصحاب الولاية القانونية على الأرض والشعب، منظمة التحرير الفلسطينية.

  • لدينا تأييدٌ دوليٌّ كاسحٌ لحلّ الدولتين، وقد انعقد قبل أيامٍ مؤتمرٌ في باريس حول غزة برئاسةٍ مشتركةٍ فرنسية – سعودية، خلص إلى التأكيد على ربط غزة بالضفة الغربية، وعلى دور الحكومة الفلسطينية، وعلى أنّ أيَّ دورٍ دوليٍّ في غزة يجب أن يكون بتفويضٍ من الأمم المتحدة.
  • ضرورة اختبار صدقية حركة حماس في حلّ ما تبقّى من سيطرتها وسلطتها على قطاع غزة، وتسليمها الفوري للحكومة الفلسطينية، تعزيزاً لمكانة الحكومة والسلطة ميدانياً، ولمنع تشكيل أيّ جسمٍ بديلٍ أو موازٍ للسلطة الفلسطينية في القطاع.
  • لقد استمرّت وزارات السلطة ومؤسساتها في تقديم خدماتها طوال سنوات الانقسام والحرب، وغياب حماس عن المشهد الحكومي في غزة سيمنح اطمئناناً للأطراف الدولية والإقليمية التي تشترط ألّا يكون لحماس أيّ دورٍ في الحكم داخل غزة.
  • التأكيد على ما قدّمته الحكومة الفلسطينية من خطةٍ للتعافي المبكر وإعادة الإعمار، وجاهزيتها لاستلام مهامها وصلاحياتها في قطاع غزة، أمام كلّ من يحاول استبعادها، بل والمبادرة إلى ممارسة هذه الصلاحيات فوراً، بدلاً من انتظار نتائج الحوار المقترح مع حماس.
  • توجيه قوانا السياسية في قطاع غزة لاستثمار اللحظة السياسية الراهنة واستعادة زمام المبادرة شعبياً، خاصةً في ظلّ ضعف حركة حماس واتّساع الفجوة بينها وبين الشعب، وفقدانها المصداقية بعد تحمّلها مسؤولية الكارثة في قطاع غزة.
  • توجيه الشكر والتقدير لمصر على دعوتها إلى الحوار الفلسطيني – الفلسطيني واحتضانه، لكن من الضروري أن تكون الدعوة إلى الحوار من الرئيس محمود عباس بعد الاتفاق على أجندته، حتى لا نكرّر تجارب الماضي العديدة في موسكو وشرم الشيخ وبكين.

وعليه نرى ضرورة عقد حوارٍ جادٍّ بين حركتي فتح وحماس يسبق الحوار الشامل، والاتفاق على أجندته، خاصةً وأنّ شروطنا واضحةٌ منذ ما قبل الحرب، إذا ما حسمت حماس خيارها لتكون جزءاً من الشرعية الفلسطينية.

مع تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية جرّاء إجراءات الاحتلال، من الضروري أن تُسارع الحكومة الفلسطينية إلى اتخاذ إجراءاتٍ فعّالةٍ لاحتواء الأزمة الاجتماعية المتفاقمة، والتي يمكن أن تنفجر في أيّ وقت، وقد تُستغلّ لتوجيه الغضب نحو النظام السياسي برمّته، لا نحو الحكومة فحسب.

إنّ الحفاظ على منجزات شعبنا، التي تحقّقت بتضحياتٍ جسام، يستدعي من الجميع تحمّل مسؤولياتهم الوطنية، وتغليب المصالح الوطنية العليا على المصالح الحزبية الضيّقة، وانطلاقاً من هذا المعيار الوطني العام، نؤكد على أهمية وضرورة إدارة حوارٍ جادٍّ ومسؤولٍ بين فصائل وقوى منظمة التحرير الفلسطينية قبل الشروع في الحوار الوطني الشامل، لأنّه من غير المنطقي أو المقبول استمرار أوهام بعض فصائل المنظمة بإمكانية الجمع بين تحمّل المسؤولية الوطنية في الهيئات القيادية وممارسة دور المعارضة في الوقت نفسه.

نُدرك تماماً استقلالية القرار السياسي والتنظيمي لكل حزبٍ سياسيٍّ وفق برنامجه الخاص، غير أنّ القاسم المشترك الأعظم في البرنامج الوطني هو معيار الحكم والشراكة الوطنية؛ وإلّا تحوّل الموقف إلى غطاءٍ لاستمرار الانقسام، وهو ما لا يستفيد منه سوى الانقساميون.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى