أقلام وآراء

مراجعة نقدية للأداء السياسي.. ضرورة وطنية في زمن الخطر

 

بقلم: محمد حسين محمد

في ظل التصعيد غير المسبوق للهجمة الصهيونية المدعومة أمريكياً على الشعب الفلسطيني، وما يرافقها من محاولات حثيثة لفرض وقائع جديدة على الأرض، يصبح من المشروع بل من الضروري طرح سؤال جدي ومسؤول : لماذا لا تجري الساحة الفلسطينية مراجعة نقدية شاملة لأدائها السياسي؟ ولماذا يتأخر ترتيب البيت الفلسطيني في لحظة تاريخية تبدو فيها القضية الوطنية أمام أخطر التحديات؟

إن المراجعة السياسية ليست ضعفاً ولا اعترافاً بالعجز، بل هي سلوك طبيعي لأي حركة تحرر وطني تسعى إلى تطوير أدواتها وتصحيح مسارها. فالقضايا العادلة لا تتقدم فقط بالتضحيات، بل أيضاً بقدرتها على قراءة التجربة، واستخلاص الدروس، وإعادة صياغة الأولويات بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.

لقد مرّت القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية بمحطات كبرى، حقق خلالها الشعب الفلسطيني إنجازات مهمة على الصعيدين الوطني والدولي، لكنه في الوقت ذاته واجه إخفاقات وتحديات كبيرة، لعل أبرزها استمرار حالة الانقسام السياسي والجغرافي داخل الساحة الفلسطينية. هذا الانقسام لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحوّل إلى عامل استنزاف خطير يضعف القدرة الوطنية على مواجهة المشروع الصهيوني.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه سياسات الاستيطان وتهويد القدس، وتتعرض غزة لحصار قاسٍ وعدوان متكرر، ويُستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية بشكل ممنهج، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فالمعركة مع الاحتلال ليست مجرد صراع يومي، بل هي صراع استراتيجي طويل يتطلب وحدة وطنية حقيقية ورؤية سياسية واضحة.

إن القوى الفلسطينية، بمختلف توجهاتها، مطالبة اليوم بالارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية. فالشعب الفلسطيني الذي صمد لعقود طويلة وقدم تضحيات جسيمة، ينتظر من قياداته وقواه السياسية أن تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفصائلية الضيقة، وأن تبادر إلى خطوات جدية لإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس الشراكة الحقيقية.

إن المدخل الطبيعي لذلك يبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية الجامعة، وتطويرها على أسس ديمقراطية وتمثيلية تضمن مشاركة جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. فالقضية الفلسطينية لا يمكن أن تُدار بعقلية الإقصاء أو الاحتكار، بل تحتاج إلى إطار وطني جامع يعبر عن الإرادة الجماعية للشعب الفلسطيني.

كما أن المرحلة الراهنة تتطلب صياغة استراتيجية وطنية موحدة قادرة على مواجهة التحديات السياسية والميدانية . فالمشروع الصهيوني يعمل وفق رؤية واضحة وأهداف محددة، بينما تعاني الساحة الفلسطينية من تشتت في البرامج والرؤى، الأمر الذي يضعف القدرة على المواجهة ويحد من فاعلية التحرك السياسي والدبلوماسي.

إن النقد الذاتي المسؤول لا يعني التقليل من تضحيات الحركة الوطنية الفلسطينية أو إنكار تاريخها النضالي، بل هو محاولة لإعادة تصويب المسار وتطوير التجربة بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة. فالتجارب الوطنية الكبرى في العالم لم تتقدم إلا من خلال مراجعات شجاعة قادتها إلى تجديد رؤيتها وتعزيز وحدتها الداخلية.

اليوم، وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد مقبولاً استمرار حالة الجمود السياسي أو إدارة الخلافات الفلسطينية بنفس الأدوات القديمة. فالمعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني هي معركة وجود وحقوق تاريخية، ولا يمكن خوضها بنجاح دون وحدة وطنية حقيقية واستراتيجية واضحة.

إن ترتيب البيت الفلسطيني لم يعد خياراً سياسياً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة. فكل يوم يمر دون تحقيق المصالحة الوطنية وتعزيز الوحدة الداخلية يمنح الاحتلال فرصة إضافية لفرض مشاريعه على الأرض.

ولذلك، فإن المراجعة النقدية للأداء السياسي الفلسطيني يجب أن تتحول إلى نقاش وطني واسع تشارك فيه القوى السياسية والنخب الفكرية ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف الوصول إلى رؤية وطنية جامعة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني.

إن الشعب الفلسطيني الذي صمد في وجه الاحتلال لعقود طويلة، وأثبت قدرته على الصمود والتضحية، يستحق قيادة سياسية موحدة ورؤية وطنية واضحة تقود نضاله نحو تحقيق الحرية والاستقلال.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمتلك القوى الفلسطينية الشجاعة السياسية لبدء هذه المراجعة، وترتيب البيت الفلسطيني قبل فوات الأوان؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الأداء السياسي الفلسطيني، بل قد تحدد أيضاً ملامح المرحلة القادمة في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني.

 

* إجازة في الآداب جامعة دمشق- قسم التاريخ – ناشط سياسي فلسطيني

 

زر الذهاب إلى الأعلى