أقلام وآراء

لا وقت للانتظار امام اليسار السوري

 

بقلم: نادية محمود*

يردد عدد من السوريين والسوريات بأن الوقت “لازال مبكراً” للحديث حول طبيعة السلطة التي ستقوم بعد سقوط حكم الأسد، بحة التركيز الآن على” تحقيق الاستقرار، توفير الخبز، والخدمات” والانتظار الى” شهر آذار” حيث ستنتهي الفترة الانتقالية ليشرع بكتابة الدستور أو نرى ماذا ستكون عليه الأمور.

تجاه هذه المقولات، بودي طرح أربعة نقاط، اولها: الوقت “ليس مبكرا”! السباق هو مع الزمن، فلم يضيع الجولاني وقتاً. وأسس حكومته بنقل الحكومة القديمة من ادلب الى دمشق والمؤتلفون في الحكومة اليوم هم فاعلوا وقادة في التنظيمات الاسلامية المسلحة في ادلب. وأن ما يتم تأسيسه اليوم سيشكل الاساس الذي تقوم عليه الدولة القادمة. لقد شهدنا ذلك من قبل في العراق. فما بدأ في مجلس الحكم من تقسيم طائفي للسلطة عام 2003 أصبح الاساس الذي قامت عليه دولة المحاصصة الطائفية، والتي امتدت أكثر من عقدين من فرض الفقر والجوع والتخلف والطائفية ومناهضة المرأة والمدنية والفساد والقتل والدوس على الحريات والحقوق. انه الامساك بزمام الحكم وبكل قوة مدعوماً من تركيا.

ثانياً: في الوقت الذي يتحدث فيه السوريون عن “اولويات” مثل الاستقرار السياسي، الخبز، الخدمات، ينشغل الجولاني وهيئة التحرير بوضع أسس دولته الاسلامية. ان الصراع اليوم ليس حول الخبز والخدمات والاستقرار، بل صراع حول السلطة. ان لم تتدخل القوى السياسية اللادينية صاحبة المشروع السياسي الواضح لتحقيق العدالة الاجتماعية، والتي يفترض ان تمثلها القوى التي تحركت اثناء وبعد ثورة سوريا عام 2011 وعلى امتداد السنوات التي تليها، فان الاسلاميين سيسعون الى بناء دولتهم بكل ما اوتو من قوة. وان استخدموا خطابا هادئا يتحدث عن” سوريا لكل للسوريين” لان توازن القوى لا يسمح لهم بغير ذلك الان. ان تجربة الثورة في إيران تقدم دروسا على هذه التغييرات، فرض الحجاب على النساء، على سبيل المثال، بدأ بعد ذلك بسنتين على الاقل، وبشكل تدريجي. فهذه المرحلة هي مرحلة تثبيت سلطتهم بأقل “المنغصات” والمجابهات. وتظهر التجارب المريرة التي عاشت المجتمعات المبتلاة بالإسلام السياسي عن مقدار البراغماتية والمداهنة التي تمارسها قوى هذا التيار لحين تثبيت سلطتهم وترسيخها، عندها يكشفوا عن وجههم الاستبدادي القمعي.

ثالثاً: يتحدث سوريون عن دورهم ومشاركتهم في كتابة الدستور. ويتحدث الجولاني عن خبراء سيكتبون الدستور!!! الا ان اردوغان الذي يتحدث وكأن سوريا حديقة خلفية لمنزله عن “المساعدة” في كتابة الدستور. وأغلب الظن ان مسودة الدستور تمت كتابتها في تركيا ابتداءاً، وان ما سيطرح هو رؤية الأخيرة للدستور حيث ان تركيا دخلت بكامل قوتها، لتحول سوريا امتداداً لها والسعي لتقوية نفوذها ونيل” حصتها” في هذا البلد، في عالم يعاد تقسيمه، لذلك الاعتقاد بان الدستور سيكتب من قبل اطياف مختلفة في سوريا، هو محض أمل لا يستند الى ما يدعمه. وإذا ما أخذنا بالاعتبار سعيهم الحثيث للقيام بذلك “على عجل”، فان ذلك حركة استباقية لفرض دستور إسلامي في أوضاع “فوضى” وذهول” على صعيد اجتماعي واسع. ان اقرار دستور ما، إذا ما أردنا مشاركة واقعية للجماهير فيه، يتطلب أولا أجواء آمنه وهادئة وسليمة وعادية حتى تقول الجماهير كلمتها بوضوح ووعي وإدراك لخطوتها.

من الضروري ان يكون للقوى الواقعية والحية، ومن بينها التي هاجرت الى خارج سوريا جراء قمع النظام السابق بعد سقوطه دوراً حقيقياً وفاعلاً، لا أن يترك الامر لهيئة تحرير الشام وتركيا لتحسم مصير سوريا.

لقد تم تعيين امرأة لا يعرف لها نشاط حول حقوق المرأة في سوريا، كوزيرة للمرأة، ولمكتب المرأة. من المتوقع ان يقوم الجولاني والبشير بتعيين امرأة من التيار الذي ينحدرون منه. ولكن كيف حدث ان نساء صرفن عمرهن وعملن على التنسيق مع القوى السياسية “لترسـيخ توافقـات وطنيـة أوسـع حـول القضايـا الإشـكالية المتعلقـة بمســتقبل ســوريا”، على طرح المنظور النسوي في كل التحولات المقبلة، لم يتم الالتفات اليهن!! هذا ليس صدفة، إنه دليل على فرض الرؤية الاسلامية وشخصياتها المعبرة عن هذه الرؤية فيما يتعلق بقضايا المرأة والعائلة.

رابعاً ً: اليوم تتوفر فرصة تاريخية في سوريا وكل طرف يسعى الى فرض اجندته، لهذا فان التدخل الحي والفاعل والنشط، والسعي بكل ما أوتيت الجماهير الداعية للحرية والمساواة من أجل طرح البديل الذي يستجيب لتطلعات الجماهير التي ثارت واحتجت من اجلها: الرفاه والحرية والكرامة، يمر عبر المشاركة بالانتخابات وتقوية التمثيل السياسي للجماهير لفرض ارادتها واسهامها في رسم مصير البلاد عبر الدخول والصراع من أجل المشاركة في السلطة وادارة البلاد بالضغط من الأسفل وبمختلف الأشكال التنظيمية.

  • عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العمالي العراقي
زر الذهاب إلى الأعلى