أقلام وآراء

دولة الاحتلال: جلاد متقمص دور “الضحية”

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

 

تمتلك إسرائيل سجلا اجراميا مثاليا لـ “ضحية “مزعومة قادرة على ارتكاب أبشع أنواع العنف من مذابح ومجازر وحروب إبادة، ومع ذلك يستمر المؤيدون والداعمون لدولة الاحتلال بالتصدي لأي إدانة انتقادات دولية لهذا الإجرام، بحجة الدفاع عن النفس.  فالاحتلال الإسرائيلي يستخدم بطاقة ” الضحية” ببراعة لقمع الانتقاد، كما هي براعته في اختيار التكتيكات بما يتناسب مع كل موقف. فعقلية “الضحية” توفر تفسيرات غالبا ما تكون غير منطقية أو أخلاقية، لكنها تترسخ في عقول مجتمعاتها لتصبح قناعة مطلقة. فعلى صعيد المثال، لن يتساءل أي طفل أو امرأة أو رجل إسرائيلي عن سبب قتلهم لأبناء شعبنا الفلسطيني، لأنه يعتقد في باطن عقله المؤدلج صهيونيا أنه “ضحية” لعدوان من الفلسطينيين والعرب الذين لا يريدون مغادرة أرضه الموعودة “أرض الميعاد” ، والذين يتحينون الفرصة لقتله والقضاء عليه. فشعور “الضحية” يساهم في ترسيخ التمايز والشعور بتفوق الجماعة من خلال تصوير الآخر على أنه همجي بدائي وعنيف، ويشكل خطرا كبيرا محتملا يهدد وجوده وبقاءه، وبالتالي يقرر أن بإمكانه تجاهل أي قانون دولي أو إنساني يدين جرائمه ومذابحه.

لقد تمكنت الصهيونية وعلى امتداد عقود من تقديم الروايات المختلقة المضللة زخما كبيرا باسم الذاكرة الجمعية، مما ساهم إلى جانب عوامل أخرى في حشد الدعم من المجتمع الدولي لدولة الاحتلال. فهوية “الضحية” تتغلغل في أطراف الحياة الإسرائيلية، لا سيما في الفنون والإعلام. فيما يتحدث نشيدهم عن اليهودي “المظلوم” الذي يبحث عن الأمل من الإيذاء.

وقد وظف الصهاينة الإعلام وجيشا من خبراء السرديات لصناعة مصداقية لرواياتهم وترسيخ مفهوم الضحية في العقل الجمعي. وهنا نستشهد بما قاله المؤرخ اليهودي جولديبرغ في كتابه ” السطوة اليهودية داخل المؤسسة الامريكية”، أن نسبة سيطرة اليهود على صناعة الاعلام الامريكي تتعدى بكثير نسبتهم العددية في المجتمع.  فنسبة الكتاب والمحررين والمنتجين والمخرجين اليهود تزيد عن ربع العاملين في نخبة صناعة الإعلام بما فيها شبكات الأخبار والصحف الرسمية، بينما لا تتجاوز نسبتهم الخمسة بالمئة من مجموع الشعب الأمريكي.  ولذلك، ليس غريبا أن تتماهى سياسات الدول الغربية مع السردية الإسرائيلية رغم تناقضها مع ما تتبناه هذه الدول من مفاهيم الحريات والديمقراطية.

قبل السابع من اكتوبر كانت الأصوات تتصاعد في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الداعم لدولة الاحتلال منتقدا ممارسات جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين من مهاجمة للأحياء العربية وحرق للأملاك وللمزروعات ومصادرة للأراضي وقتل ممنهج في الضفة الغربية والقدس.  فبنتيجة هذه الممارسات الصهيونية، تراجعت ثقة الكثيرين في العالم بمصداقية رواية “الضحية” الإسرائيلية.  لكن دولة الاحتلال وجدت في أحداث السابع من أكتوبر الفرصة المناسبة لإطلاق أكبر حملة تجييش عالمية ضخمت خلالها أحداث ذلك اليوم لإظهار أن اليهودي مجددا “ضحية ” الفلسطيني ” المتوحش” ، وأن إسرائيل “ضحية” تهديد وجودي، ولذلك فمن حقها اجتثاث الفلسطيني من أرضه وتجويعه وقتل أطفاله وصغاره وكباره بحجة الدفاع عن النفس وعن الوجود.

بعد السابع من أكتوبر، ولفترة وجيزة معينة، نجحت دولة الاحتلال في تمرير هذه الرواية المضللة لدى إدارات ومجتمعات العديد من الدول عبر العالم لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الداعمة لها ودول أخرى. وقد  لعب الاعلام والمنصات المسيطر عليها إسرائيليا دورا أساسيا في تمرير هذه الرواية.  لكن المنصات الاجتماعية ووسائل التواصل الإجتماعي ليست مكانا لإسرائيل ومؤيديها وحدهم، فما وثقته ونقلته المنصات الغير خاضعة، أظهرت للملأ أن دولة الاحتلال لم تعلن الحرب على فصيل معين، وإنما تقوم بمحاولة إبادة شعب بأكمله وتحويل قطاع غزة إلى منطقة طاردة للحياة، بالتزامن مع عملية تطهير عرقي في الضفة الغربية والقدس.  وبنتيجة ذلك انتفضت شعوب العالم وطلابه وعماله رفضا لحرب الإبادة ودعما لشعب فلسطين، وبمشاركة اعداد غير قليلة من اليهود. وبذلك بدأت إسرائيل مجددا تفقد دور الضحية، بل تتحول بنظر الرأي العام العالمي إلى جلاد وقاتل. إلا أن اللوبي الصهيوني واذرعه في العالم أخذ يستثمر في بعض التفصيليات التي ترافقت مع تلك التحركات أو خلالها باعتبارها معادية للسامية وتشكل تهديدا مباشرا لوجود “الضحية ” إسرائيل، كشعار ” من البحر إلى النهر فلسطين حرة” معتبرين ذلك دعوة لإزالة إسرائيل من الوجود ، إضافة إلى رفع رايات حزبية و فصائلية ، وغيرها من الممارسات، مما شجع ادارات تلك الدول على قمع تلك الانتفاضات وتوجيه الحرس الوطني كما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية لتفكيك مخيمات الاعتصامات وإنهاء الاحتجاجات.

لكن إسرائيل “الجلاد” المتقمص لدور “الضحية” مستمرة في حرب الإبادة والتطهير العرقي، والهدف التخلص من الضحية الحقيقية وهي شعب فلسطين، لاعتقادها أنها بذلك تحسم الصراع وتنهي قضية فلسطين نهائيا.  فالعقلية الإسرائيلية المشبعة بالروايات التاريخية المختلقة والمزورة، والموبوءة بأمراض الصهيونية الدينية اليمينية المتطرفة، لن تتقبل وجود دولة فلسطينية إلى جانبها، لأنهم يدركون في أعماق عقولهم أن الفلسطيني هو صاحب هذه الأرض، لذلك يجب التخلص منه.

وبالعودة إلى براعة دولة الاحتلال في استخدام بطاقة “الضحية” ، فبعد كل المذابح والمجازر التي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء شعبنا الفلسطيني، لم نسمع للعالم صوتا حقيقيا، بل على العكس من ذلك، فبعد أن قام هذا العدو باعتداء ارهابي في بيروت وآخر في طهران ذهب ضحيتهما اثنان من أبرز القادة، خرج العدو إلى العالم مولولا طالبا من دول المعمورة المساعدة في إنقاذ إسرائيل من أي رد محتمل على جرائمه.  انتفضت الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم دول الغرب مرسلة أحدث ما تملكه من آلة عسكرية للدفاع عن إسرائيل “الضحية”.

فدولة الاحتلال تدرك أن أمريكا ودول الغرب ترى الأشياء بعين واحدة، لذلك تغوص في دور الضحية الذي تتقنه جيدا، وينسى الجميع أصل الحكاية وتصبح إسرائيل مجددا “ضحية “.

التاريخ علمنا أن الحق لا يضيع. ونحن شعب فلسطين ضحايا الهجمة الصهيونية الدولية منذ أكثر من مئة عام، والكل يستثمر في نكبتنا وضحايانا وقضيتنا.  أولم يحن الوقت لوقف استثمار الآخرين في قضيتنا ومصيرنا، والبدء بالاستثمار بأنفسنا، والبناء على ما أطلقه الرئيس ابو مازن من مواقف في تركيا لتجسيد وحدة وطنية فلسطينية بوصلتها مشروعنا الوطني.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى