لبنان على صفيح ساخن


بقلم: د. فريد إسماعيل
مع الموقف الفلسطيني الواضح والعمل الدؤوب على تجنيب مخيماتنا وأبناء شعبنا في لبنان تداعيات أي صراع أو حدث أمني، والقرار الصارم بعدم التدخل بأي شأن لبناني حفاظا على أمن واستقرار مخيماتنا، إلا ان الحذر يجب ان يبقى قائما واليقظة واجبا، لا سيما وان شعبنا وفي محطات عديدة خلال العقود الماضية في لبنان كان ضحية مؤامرات اجبرته بعضها على الدفاع عن نفسه ووجوده وعن قراره الوطني المستقل.
فلبنان منذ نشأته تحت مسمى “دولة لبنان الكبير” في الأول من سبتمبر عام ١٩٢٠، مرورا باستقلاله كجمهورية لبنانية في نوفمبر عام ١٩٤٣ والى يومنا، كان ولا زال من الكيانات الأكثر تأثرا بالمتغيرات والتحولات التي تعصف بالمنطقة، لأسباب عديدة منها انه الجار الشمالي لفلسطين، وفلسطين أصل الحكاية وجوهرها، والهدف الأساس للصهيونية منذ نشأتها. كذلك فإن البنية الطائفية التي رسم معالمها وكرس تعاريج ازقتها في الدستور المنتدب الفرنسي، جعلت من لبنان مسرحا يخفي تحت خشبته قضايا خلافية كبرى تبدأ بجوهر الهوية الوطنية ولا تنتهي عند حدود صلاحيات الطوائف وحجم وشكل مشاركتها في السلطة. ولذلك فإن لبنان يشهد مع كل متغير سلسلة من الأحداث الأمنية المرتبطة بشكل رئيسي بالتوترات السياسية والطائفية داخل البلاد بالإضافة إلى التدخلات الخارجية، والتي لا علاقة لها بأي شكل من الأشكال بالوجود الفلسطيني في لبنان كما يصر البعض على تصويره من خلال سردياته المضللة. فعلى سبيل المثال، كانت أزمة عام ١٩٥٨ من أبرز هذه الأحداث حيث شهدت اشتباكات مسلحة بين مؤيدي ومعارضي الرئيس كميل شمعون بسبب الصراع على السلطة بين مختلف القوى السياسية والطائفية في لبنان، حيث تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية عسكريا لدعم الحكومة. يومها لم يكن هناك وجود فلسطيني مسلح في لبنان، والثورة الفلسطينية المعاصرة لم تكن قد انطلقت بعد. وقد تركت الأحداث الأمنية في الخمسينات آثارا سلبية على الوحدة الوطنية في لبنان ومهدت الطريق لتصاعد التوترات الطائفية في المستقبل، والتي تفجرت في الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥ بسبب مزيج من العوامل السياسية والاقتصادية والطائفية والتدخلات الخارجية.
بعض القوى والتي كانت تعرف خلال فترة الحرب الأهلية ب “الانعزالية” لا زالت حتى يومنا هذا تنسج السرديات العصية على التصديق حول نية فلسطينية آنذاك بالتوطين وإقامة الوطن البديل، في محاولات للهروب الى الامام والتنصل من المسؤولية من خلال طمس المسببات الحقيقية لتلك الحرب. فقد كان ١٩٧٥ عام الانفجار الكبير مع تظاهر الصيادين في مدينة صيدا واغتيال القائد الوطني الشعبي معروف سعد خلال تلك التظاهرة التي انطلقت مع موجة عارمة من الاحتجاجات والاضطرابات والتظاهرات المطلبية احتجاجا على ترخيص منحته الحكومة لشركة “بروتيين” التي كان يترأس مجلس ادارتها الرئيس الأسبق للجمهورية كميل شمعون بالاشتراك مع شركات أجنبية يعطيها امتيازا حصريا لاستثمار الثروة السمكية، ما اعتبره الصيادون تشريدا لهم ولعائلاتهم عبر قطع ارزاقهم. وقد مثل اغتيال معروف سعد وزج السلطة بالجيش لقمع المتظاهرين، الشرارة الكافية لحرب مدمرة لم يكن أحد يدرك أنها ستستمر ١٥ سنة، خصوصًا وان كل عواملها السياسية والاجتماعية قد توافرت.
ومع فشل تلك القوى بالزج بالعامل الفلسطيني في مسرح الأحداث، وتمكن القوى الوطنية الفاعلة من تهدئة الأوضاع بعد أيام من الاشتباكات في صيدا مع الجيش اللبناني، قامت تلك القوى في ١٣ نيسان من العام ذاته بالهجوم على حافلة في منطقة عين الرمانة في بيروت تقل مدنيين فلسطينيين متوجهة الى مخيم تل الزعتر واطلقوا النار على ركابها مما أدى إلى ارتقاء ٢٧ شهيدا مدنيا ، تدحرجت الأمور بعدها إلى دوامة استمرت اعواما دخلها الفلسطيني مرغما بعد هذه المجزرة المعروفة باسم “بوسطة عين الرمانة” والتدخلات الإسرائيلية والخارجية والعربية الجارة.
هذا التشريح للوقائع على مدى عقود، يأتي للدلالة على أن الفلسطيني لم يكن في يوما عامل تفجير لأي أزمة في لبنان، وعلى عكس ذلك، كان ضحية محاولات الزج به في أزمات داخلية لا مصلحة له بها، لأن وجهته كانت ولا زالت فلسطين، وجهوده منصبة على العيش بكرامة وتأمين قوت يومه الى حين العودة.
اليوم يعيش لبنان مخاض مرحلة غاية في الدقة والخطورة، حيث تختلف الأطراف اللبنانية حول تفسير القرار ١٧٠١ وتوابعه خاصة فيما يتعلق بدور حزب الله ووجود قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. يرى البعض أن القرار يمثل فرصة لتعزيز سيادة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيدها بما فيه سلاح حزب الله، بينما يعتبره آخرون استهدافا للحزب وتقييدا لمقاومته ولدوره، كما يختلفون على الأولويات في تنفيذ مدرجات القرار. فبينما يرى البعض بأن الأولوية يجب أن تكون للانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية وتحرير الأسرى وعودة النازحين والبدء بإعادة الاعمار ومن ثم الانطلاق في مناقشة استراتيجية دفاعية، يرى آخرون أولوية سحب السلاح من مختلف المناطق اللبنانية بعد أن تم إنجاز هذا العمل وبنسبة كبيرة جنوبي الليطاني، بالتوازي مع استثمار لبنان لكل علاقاته الخارجية لإجبار إسرائيل على الانسحاب. وبذلك، فإن الخلاف حول القرار ١٧٠١ وتوابعه يعكس الانقسام السياسي العميق في لبنان حول قضايا الأمن والسيادة والمقاومة مع غياب أي توافق وطني حتى الآن حول كيفية تطبيق القرار وتوابعه. ويبدو أن حدة الخلاف تسير بشكل تصاعدي بعد اتخاذ الحكومة اللبنانية قرارا بحصرية السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش اللبناني بوضع خطة تنفيذية يتم تقديمها لمجلس الوزراء مع نهاية هذا الشهر. وقد قوبل هذا القرار بمواقف رافضة وحادة وتصعيدية من قبل حزب الله، مما يضع لبنان على صفيح ساخن.
لقد كان موقف القيادة الفلسطينية منذ البداية واضحا، وهو عدم التدخل بأي شأن لبناني كوننا ضيوفا الى حين العودة، وملتزمون بالقانون اللبناني وبكل ما يصدر عن الدولة اللبنانية.
ومن الحكمة اليوم للقوى الفلسطينية في لبنان، خاصة تلك التي لديها ارتباطات ببعض القوى والمحاور على الساحة أن تنأى بنفسها عن هذه الصراعات، لأن أي خطوة بهذا الاتجاه سيدفع ثمنها أبناء شعبنا في لبنان.