مبادرة ترامب لوقف الحرب واليوم التالي لغزة


بقلم: د. أحمد مجدلاني
شكّلت حملة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، والتي تزامنت مع انعقاد المؤتمر الدولي للسلام وحل الدولتين عشية افتتاح الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تظاهرة سياسية ودبلوماسية لتدويل القضية الفلسطينية، فقد نقلت من إطار الصراع الإقليمي إلى صلب قضية الأمن والسلام والاستقرار الدوليين، وهذا التحول عبّر عنه قادة العالم، سواء من شارك في المؤتمر واعترف بالدولة الفلسطينية أو من لم يعترف بها، لكنهم أجمعوا على مطلب أساس: وقف حرب الإبادة والتجويع ضد قطاع غزة، ووقف التدمير الممنهج لمقدرات الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية في الضفة الغربية والقدس الشرقية بغية تقويضها وإنهاء وجودها.
في ظل هذا المناخ الدولي المؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني، والمدين لسياسات إسرائيل وحكومتها وجيشها، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبادئ مبادرته لوقف الحرب على قطاع غزة، بالتشاور مع عدد من قادة الدول العربية والإسلامية، وقد كرر ترامب في أكثر من مناسبة تعهده بمنع إسرائيل من ضم الضفة الغربية، مؤكداً رفض تهجير الغزيين من وطنهم وأرض آبائهم وأجدادهم.
لقد جرى بحث هذه العناصر الأولية بصورة تفصيلية بين وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية ومبعوث الرئيس ترامب للشرق الأوسط، ويتكوف، حيث تحددت ملامح الخطة التي تضم واحداً وعشرين بنداً، بدءاً من إطلاق سراح جميع المحتجزين عبر التبادل، مروراً بإنهاء الحرب والانسحاب التدريجي من القطاع، وإنهاء سيطرة حركة حماس ونزع سلاحها، وصولاً إلى ترتيبات الوضع الأمني والإداري في قطاع غزة، وإنشاء صندوق دولي مشترك مع السعودية لإعادة إعمار القطاع.
هذه القضايا التي طرحت في الاجتماعات تعد ذات أهمية قصوى ومرتبطة مباشرة ببرنامج العمل الوطني واستراتيجيتنا المقبلة، كما أكد الرئيس في خطابه أمام مؤتمر حل الدولتين والجمعية العامة للأمم المتحدة، وبرغم أننا لم نتسلم أي وثيقة رسمية حتى الآن، فإن ما نقله إلينا الأشقاء في المملكة العربية السعودية، من خلال آلية التشاور والتنسيق مع مصر والأردن، يؤكد أن وقف حرب الإبادة والتجويع يحتل مركز الصدارة، إلى جانب إدخال المواد الغذائية والطبية، والإفراج عن الأسرى والرهائن، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال الإسرائيلي من غزة.
لكن، ورغم ما تضمنته المبادرة من عناصر إيجابية مبدئية، فإن تمسكنا بالثوابت الوطنية يظل حجر الزاوية، إذ نؤكد على وحدة الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، ونرفض أي صيغة من شأنها فصل القطاع عن الضفة، سواء بسلطات محلية مؤقتة أو أجسام موازية أو بديلة، أو عبر دور محدود للحكومة الفلسطينية الشرعية المعترف بها دولياً، فدولة فلسطين، كما حددتها قرارات مجلس الأمن 242 و338 و2334، والتي اعترفت بها 160 دولة من أصل 193 دولة في الأمم المتحدة، هي صاحبة الولاية السياسية والجغرافية والقانونية على هذه الأراضي المحتلة.
إن أي صيغة دولية مؤقتة للحكم في غزة أو لوجود قوات أجنبية أو عربية يجب أن تتم بتفويض واضح من مجلس الأمن، وبسقف زمني محدد لا يتجاوز عاماً واحداً، على أن تنتهي المرحلة الانتقالية بمفاوضات جادة لتنفيذ حل الدولتين استناداً إلى الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
هذه الصيغة الدولية لا تشكل بديلاً ولا موازياً لدور الحكومة الفلسطينية الشرعية، بل دعماً لها لبسط سيادتها وتأمين الأمن والسلام وضمان السلم الأهلي والمجتمعي، بعد سنوات طويلة من العزلة والحصار والانقسام والحروب المدمرة.
إن التفويض الأممي ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ضمانة أساسية لتنفيذ المبادرة بدقة وحزم، ولجم محاولات نتنياهو وحكومته التهرب من الالتزامات، وهو تأكيد مسبق أن قطاع غزة ليس بحاجة إلى “برايمر” جديد تحت أي مسمى أو وظيفة أو شخص، وأن لا سلطة على الأرض سوى سلطة الشرعية الوطنية الفلسطينية، في غزة كما في الضفة والقدس.
- نضال الشعب