القضية بين التواطؤ والاستخدام

باسم برهوم
في الشهر الذي حدثت فيه نكبة الشعب الفلسطيني الكبرى، والمقصود شهر أيار/ مايو الجاري، فإن واقع القضية الفلسطينية من حيث الجوهر لم يتغير، واذا نحينا جانبا طبيعة المشروع الصهيوني، والذي هو مشروع صممه ودعمه ولا يزال الاستعمار العالمي للسيطرة على المنطقة، فإن القضية الفلسطينية، ومعها الشعب الفلسطيني لا تزال محلا يتحرك فيه المتواطئون من الأشقاء والأصدقاء، والقضية لا تزال عرضة للاستخدام مرة ومرتين والف مرة، وفي كلا الحالتين وبسببهما القضية تسير من معضلة الى اخرى.
بالطبع لا نعفي انفسنا من المسؤولية، فالى جانب نقص الوعي احيانا، وارتكاب الاخطاء في احيان اخرى، فإن جزءا مهما منا سمح للتواطؤ والمتواطئين بالتحرك وغض الطرف عنهم، وجزءا مهما من سمح لاطراف وانظمة عربية وإقليمية لاستخدام القضية الفلسطينية، يمينا ويسارا، وتعامل مع المستخدمين واعطوهم الغطاء الفلسطيني الذي يريدونه. بهذا المعنى نحن نتحمل بشكل او بآخر المسؤولية، ولكن هذه المسؤولية لا ترقى بأي حال الى درجة القول اننا مسؤولون عن نكبتنا واستمرارها، فالمسؤولية بالأساس تقع على عاتق اصحاب المشروع الصهيوني وداعميه والمتواطئين معه وعلى الاطراف التي استخدمت ولا تزال تستخدم القضية الفلسطينية كورقة او لتمرير مشاريعها في المنطقة، وهي في حقيقة الامر لا هم لها سوى مشروعها وتنفيذ أجندتها وما القضية الا غطاء لدغدغة العواطف والتضليل عن المشروع الحقيقي.
تاريخ الاستخدام بدأ مع نشأة القضية ومع اكتشاف كم هي قضية محورية وعاطفية بالنسبة للشعب الفلسطيني والجماهير العربية ولكل احرار العالم. انظمة الانقلابات العسكرية العربية منذ مطلع الخمسينيات استخدمت القضية لتستمد منها الشرعية الشعبية من جهة واستخدامها كورقة لتعزيز وجودها ودورها الاقليمي او لتقديم التنازل على حسابها مقابل ان تأخذ الضمانات الدولية لبقائها من جهة اخرى، وتكاد هنا لا تستثني اي نظام عربي واقليمي وبتفاوت.
والمقصود بالتفاوت ان الفرق بين ان بعض الانظمة والقوى الاقليمية قد استخدم القضية بأبشع طرق الاستخدام وبكل التفاصيل. استخدموا دم الشعب الفلسطيني وتضحياته وحرفوا بوصلة نضاله لمصلحتهم ومصلحة مشاريعهم واجنداتهم التي لم يكن ضمنها يوما تحرير فلسطين الا كشعار.
المشكلة العويصة ان قوى من الشعب الفلسطيني الذي يعاني من الظلم المتراكم والمركب كانت تنحرف بسهولة مع هؤلاء المستخدمين، وما ان تكتشف ذلك تكون دماء وتضحيات وجهد ونضال ومعاناة وزمن من عمر الشعب والقضية قد مر بلا ان يراكم لنا اي شيء.
ان درس النكبة الأكبر، ليس فقط درس التمسك بالارض والصمود عليها وعدم تكرار تجربة اللجوء، بل الدرس الأكبر هو الا نسمح باستخدام قضيتنا من اي طرف كان، مهما كانت شعاراته رنانة وبراقة، والا نكون جزءا من هذا الاستخدام بدمنا وتضحياتنا، اي جهد نضالي فلسطيني يجب ان يكون جزءا من المشروع الوطني الفلسطيني وليس اي مشروع اخر، واي خلاف يمكن ان يحصل في اطار المشروع يجب الا يكون مبررا للانخراط بمشاريع اخرى. من يريد دعم النضال الفلسطيني نرحب به ولكن ليس مسموحا لاحد التدخل بالشأن الفلسطيني الداخلي او ان يحاول السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني.
وفي التجربة الوطنية الغلسطينية لم يكن تأثير المستخدمين للقضية اقل خطرا من المتواطئين، وفي كثير من الاحيان كان التواطؤ والاستخدام هو في خدمة المشروع الصهيوني ولكن كل على طريقته. لذلك فان الوعي، وعي الشعب الفلسطيني هو العامل الحاسم فكثير من المرات كنا ضحية للاستخدام سواء برضا البعض منا او من دون اي رضا.
الصراع الفلسطيني مع الصهيوني، مع إسرائيل هو صراع معقد جدا، فاذا كان واضحا لدينا العدو المباشر وبعض الداعمين له، فإن الشيء الاكثر تعقيدا هم هؤلاء المتواطئين والمستخدمين، والذين وان بدوا مختلفين مع بعضهم البعض، فهم في نهاية الامر اما خدم او يلهثون ليتم الاعتراف بهم عند صاحب المشروع الاكبر.. فالحذر الحذر.
لدينا مشروعنا الوطني، وقد يكون مصابا ببعض العيوب، وهذا امر يجب ان نتوقعه بسبب تعقيدات وظروف القضية، ويجب ان نواجهه بمسؤولية وطنية، ولكن شرط النجاح ان نبقى معه في داخله ولا نخرج عنه تحت اي مبرر، فالاصلاح يأتي ضمن العمل في المشروع ذاته. لدينا منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا، ولهذه المنظمة برنامج قد نؤيده او نختلف معه، وقد تكون المنظمة بحد ذاتها بحاجة للإصلاح والاستنهاض وهذا صحيح، ولكن نقوم بذلك من داخلها وليس بالخروج منها وعليها. كل شيء ممكن من داخل المشروع الوطني الفلسطيني وليس من خارجه والانخراط باي مشاريع اخرى. اليوم نواجه مخطط الضم وتصفية القضية الفلسطينية، فلا تصدقوا ان احدا بالكون هو احرص منكم على قضيتكم وارض وطنكم التاريخي، لن يحك جلدك الا ظفرك.