أقلام وآراء

الفلسطيني ضحية سردية الرقم والورقة

 

بقلم: حسني شيلو

أكثر ما يردده الفلسطيني في رحلة حياته هي الارقام والأوراق، وما بين هاتين يعيش، متنقلا من رقم الى ورقة منذ النكبة الكبرى عام ٤٨ وحتى اليوم، حيث تتوالى وتتنوع النكبات.

فجل العائلات المهجرة قسرا عن وطنها وديارها تحمل معها اوراق ثبوتيه ملكيتها للأرض والمنزل والبستان، ومعها تحمل ايضا ارقام الشهداء والأسرى والجرحى الضحايا الذين قدمتهم، انها ارقام ليست صماء أو مجرد اعداد ترسم في سجلات الإحصاء.

اليوم، ومع حرب الابادة الجماعية التي تتواصل في قطاع غزة رغم الاتفاق والضامنين وقرار مجلس الامن، وحرب التهجير في الضفة وفي مقدمتها القدس، ما زالت الارقام تتوالد وتتضخم في متتالية حسابية صماء، وما زلنا نبحث ايضا عن اوراق ملكية وعن اوراق الميلاد والوفاة وجوازات السفر والشهادات العلمية، دون ان ندرك منذ النكبة الاولى حتى الان ان العالم لا يتعامل مع ارقام واوراق، بل يتعامل وفي احسن الاحوال مع الضحية كحالة إنسانية قد يوفر لها البقاء على قيد الحياة دون حقوق وطنية او إنسانية وكرامة منقوصة في اغلب الاحيان.

ان هذا وذاك وفي عصر الرقمية وصناعة الرأي العام والتأثير فيه، يوجب علينا اعادة بناء سرديتنا حول احقيتنا كواحد من شعوب الأرض باستراتيجية وطنية لا تعتمد بالكامل على اعداد الشهداء والاسرى والجرحى والمنازل المهدومة والأراضي المصادرة وسلب ابسط الحقوق في ظل نظام عنصري مقيت. بل على حفنا غير القابل للتصرف في وطننا وعدالة وشرعية مشروعنا الوطني.

نعم لقد أصبح الفلسطيني كما أريد له وخطط له، رقما في نشرات الاخبار التي تعد الضحايا دون أن تلتفت لمعاناتهم وأنسنة حكاياتهم كبشر، وأن تذكر أعداد المنازل التي يهدمها بطش الفاشيين الجدد، وتتعامل مع أصحابها كأنهم جزء من الحجارة التي هدمت، وتتعامل مع الأسرى بأرقام وأعداد ولم تنظر بعد لمعاناة الأسر ولا وحشية الجلاد وقسوة السجان!

وعلى صعيد ذي الشأن أيضا تتعامل معنا الدول الصديقة وغير الصديقة بأوراق وكأنها تنتظر منا اثبات انسانيتنا عبر المعابر والجسور والمطارات، نحن أرقام للدفع وأوراق لإثبات الذات، انه الفلسطيني الذي يجبر ولأول مرة في تاريخ البشرية أن يدفع ثمن مغادرته أرضه لعمل او علاج أو دراسة مبلغ مالي!

انه الفلسطيني الذي يعاني من الالام القتل والدمار والاعتقال، الذي يناضل من اجل اثبات قضيته ومن اجل حريته واستقلاله واقامة دولته، ممنوعا من الصلاة في اطهر البقاع ممنوع من رؤية البحر ومن ان يكون لديه مطار ومن ظلم الى ظلم متنقلا يحمل رقما وورقة حتى اذ اراد التحرك من رام الله الى جنين بدون رقم هويته وورقته فهو مستهدف.

هكذا تختزل حياة الفلسطيني وحقوقه بل وهويته واحقيته الوطنية برمتها، يصارع بين شقي رحى تطحنه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شق يسحقه وهو يحاول إثبات وجوده، وشق يريد ان يحوله رقم اخر اصم في إحصائية، وورقة قد تمنحه شرعية المرور.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى