بعد الانسحاب.. العراق بين الأمل والتحديات


بقلم: د. فريد اسماعيل
عبر بيان مشترك، كان أعلن الاتفاق بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية (ممثلة للتحالف الدولي) على إنهاء المهام العسكرية للتحالف في العراق، على أن ينفذ الانسحاب والانتقال الى شراكات أمنية ثنائية وفق جدول زمني يمتد حتى نهاية سبتمبر ٢٠٢٦. وفي نهايته طوى العراق صفحة المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش ” العزم الصلب” بعد ١٢ عاما على تشكيله، ما فتح الباب على حلقات أكثر تعقيدا تمتد من الداخل العراقي لتطال المنطقة والاقليم.
في الشارع العراقي تتباين الآراء بين من يرى أن خروج القوات الأجنبية يطوي صفحة طويلة من التدخل العسكري الخارجي، خصوصا بعد عقدين من الوجود الامريكي في البلاد، وبين من يخشى من أن تتحول نهاية الوجود العسكري إلى فراغ أمني إذا لم تكن القوات العراقية قادرة على توفير مستوى الحماية نفسه، خصوصا في مجال الاستخبارات والاستطلاع والدفاع الجوي. وقد انعكس هذا التباين بين الاحتفال بالانسحاب بوصفه يمثل استعادة للقرار العراقي، والقلق من مرحلة ما بعده إذ أن أي ضعف أمني قد يؤدي الى إعادة إنتاج الظروف التي سمحت لداعش بالتمدد. أما على الصعيد الرسمي، فالحكومة العراقية تقدم انتهاء المهمة بوصفه انتقالا من مرحلة الاعتماد على التحالف الى تولي العراق المسؤولية الكاملة على أمنه. لكن هذا يفتح سؤالا داخليا أكثر تعقيدا: هل انتهاء مهمة التحالف سيقود فعلا الى تعزيز سلطة الدولة وحدها، ام زيادة نفوذ القوى المسلحة التي طالبت بخروج القوات الأجنبية، سيما وان الفصائل المسلحة الموالية لإيران تنظر الى الإنسحاب باعتباره ثمرة للضغط والمقاومة وسترفع من سقف مطالبها لتطال إعادة النظر بشكل علاقة العراق بالنظام المالي العالمي وخصوصا الدولار والمراسلة المصرفية، فالعراق مرتبط وبقوة بقواعد الامتثال التي تفرضها المؤسسات المالية الأمريكية، ويعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط التي تدار عبر حساب البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفدرالي في نيويورك. هذه الفصائل ومن خلفها إيران، تجد في الإنسحاب فرصة لتعزيز الارتباط الاقتصادي العراقي مع إيران بصورة كبيرة، خاصة وأن العراق يريد استمرار تجارته الطبيعية مع إيران، ولا يستطيع تجاهل الواقع الجغرافي والارتباطات المجتمعية العقائدية لشريحة واسعة من مجتمعه مع إيران، لكنه لا يستطيع أيضا تجاهل النظام المالي الامريكي إذا أراد الحفاظ على وصوله الى الدولار والنظام المصرفي العالمي. ولذلك فإن إنتهاء المهمة العسكرية للتحالف ليس نهاية المعركة السياسية داخل العراق، بل بداية مرحلة جديدة ترتبط بشكل أساسي بمدى قدرة الدولة على حماية نفسها منفردة، وكذلك مدى نجاحها او عدمه في حصر السلاح بيد مؤسساتها، ومدى قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها بين واشنطن وطهران دون ان يتحول العراق مجددا الى ساحة صراع اقليمي.
كذلك فإن لإنهاء مهام التحالف ارتداداته على الحالة الكردية واقليم كردستان. فقد توقفت المساعدات المالية والعسكرية المقدمة من التحالف لقوات البشمركة في الإقليم رسميا مع انقضاء مذكرة التفاهم، ما دفع الاقليم لتقديم طلب رسمي للحكومة الاتحادية لتعويض النقص المالي عبر تعديل رواتب البشمركة ومساواتها بحقوق القوات الأمنية، وهذا يضع الحكومة أمام تحديات ثقيلة في ظل أزماتها المتراكمة ومنها المالية. كما أن الإقليم يرى نفسه اليوم أكثر هشاشة أمنيا بعد فقدانه لمظلة الحماية الأمنية والعسكرية الغربية، وعدم امتلاكه لمقدرات الدفاع وخاصة الجوية، إذ أن هناك قلق كردي ومخاوف من تكرار سيناريو ٢٠١١ حين انسحبت القوات الأمريكية وظهر داعش مجددا بعد ثلاث سنوات، ما اضطر مسعود بارزاني لاطلاق تصريحات مطمئنة بأن الإقليم ليس عرضة للتهديد وأن البشمركة قادرة على الدفاع عن كردستان. كذلك فإن الإقليم كان تعرض سابقا لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما يثير مخاوف من استمرارها في ظل فراغ جوي كان يغطيه التحالف. ولذلك عمدت البشمركة الى توحيد قواتها عبر دمج القوات ٧٠ و٨٠ تحت وزارة البشمركة لتصبح قوة موحدة بعيدا عن الانقسامات الحزبية، كذلك تعمل على التنسيق مع بغداد لنسج ترتيبات أمنية جديدة بين الجيش العراقي وقواتها.
على الصعيد الاقليمي، فإن إيران يمكن أن تستغل الفراغ الأمني لدفع بغداد نحو مواقف أكثر قربا منها، خاصة في ظل حكومة عراقية تواجه صعوبات في ضبط السلاح، وفصائل موالية لإيران تعتقد بأن خروج التحالف كان بفضل ضغوطها ومقاومتها، ما يعطيها شرعية أكبر للبقاء مسلحة ونشطة وما يفتح شهية إيران لجعل العراق سوقا رئيسيا لتجاوز العقوبات، وكذلك يتيح لإيران تهديد المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة عند الحاجة كجزء من استراتيجية الردع الأفقي.
كما أن تعزيز نفوذ الفصائل يشكل إضعافا للدولة العراقية، من شأنه إثارة احتجاجات شعبية ضد التدخلات الإيرانية، والتي ان توسعت قد يتحول معها العراق الى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران، سيما وان الولايات المتحدة لا تنظر إلى إنهاء مهام التحالف على أنه انسحاب امريكي من المشهد العراقي بل تغير في طبيعة العلاقة، فقد أوضح المبعوث الأمريكي الخاص الى العراق توم باراك بأن هذا الإنسحاب يمثل تحولا استراتيجيا لتصبح الولايات المتحدة صديقا وشريكا داعما للأمن من خلال التدريب وبناء القدرات بدل التمركز العسكري المباشر، معتبرا أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام رئيس الوزراء العراقي لتوحيد القوات المسلحة العراقية تحت قيادة وسلسلة مظلة دولة واحدة.
العراق اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن يستثمر في بناء دولة قوية مستقلة، أو يتحول الى ساحة نفوذ ايراني أوسع، ما يعيد إنتاج التبعية ويضعف السيادة. والتحدي الحقيقي يكمن في قدرة بغداد على إدارة هذا الفراغ بحكمة، بحيث لا يتحول الأمل الى سقطة جديدة.