تقاير وتحقيقات

في ظل ظروف اقتصادية طاحنة.. مواطنون يبحثون عن الرغيف في البرية

 

 

فينيق نيوز – تقرير-عهود الخفش – في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة التي يعيشها المواطن الفلسطيني جراء الحصار المالي والاقتصادي الخانق الذي يفرضه الاحتلال الاسرائيلي، وتعثر القدرة الشرائية، لم يجد كثير من الأهالي في محافظة سلفيت اسوة بباقي انحاء الضفة الغربية المحتلة غير الطبيعة، بحثاً عن بدائل غذائية برية مجانية او قليلة السعر، تسد جوع أسرهم او بعض احتياجاتها.

وفاقمت إجراءات الاحتلال عبر غلق سوق العمل في الداخل واحتجاز عائدات المقاصة وعرقلة النقل والتنقل واستهداف الأراضي الزراعية من جانب وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية من جهة أخرى وتداعيتهما الخطيرة، معاناة اعداد متزايدة من الاسر التي باتت ترح تحت خط الفاقة والفقر المدقع.

وأعاد العوز وقلة الحيلة كثيرون من ارباب الاسر، الى البحث في الجبال عن باتات برية موسمية قابلة للأكل او البيع، وعلى رأسها الزعمطوط والخبيزة ولسان الثور واللوف والميرمية والزعتر وغيرها من مسميات محلية تحضر منها اطباق شعبية او حتى وصفات ومشروبات.

وواجه الاقتصاد الفلسطيني ركوداً عميقاً وأزمة معيشية خانقة في 2025، تواصلت مع مطلع العام الجاري، اذا انكمش الناتج المحلي 24% (84% في غزة)، وتجاوزت البطالة 46%، مع تفشي الفقر والمجاعة، جراء الحرب المستمرة والحصار، وانقطاع الإيرادات، وتدمير البنية التحتية، مما جعله يعتمد بشكل شبه كلي على المساعدات الخارجية التي تراجعت بدورها بشكل ملموس.

وبحسب تقارير متخصصة فقد ارتفعت معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وتعاني الضفة من ركود اقتصادي ناتج عن قيود الحركة والعمل. فيما سجل انهيار القطاعات الإنتاجية حيث تراجعت قطاعات البناء والتشييد (بنسبة 50%)، والصناعة (34%)، والزراعة (28%)، والسياحة (80%) بشكل حاد، فيما زادت الأسعار بنسبة 11%

ومع حلول فصل الشتاء حيث تزاد الحاجة والعوز عادة وخاصة خلال الأيام الجارية، تشهد الأراضي الزراعية والتلال والسهول إقبالاً ملحوظاً من المواطنين، رجالاً ونساءً وحتى أطفالاً، يحملون على الاكتاف أكياسهم وأدواتهم البسيطة، متوجهين نحو الحقول لجمع هذه النباتات التي لطالما شكّلت جزءاً أصيلاً من الموروث الغذائي الفلسطيني، ورافداً مهماً في أوقات الشدة والأزمات لكن الاقبال عليها تراجع او كاد يتلاشى خلال السنوات السابقة.

وفق “بروتوكول باريس”، يسيطر إسرائيل على الحدود والموارد والمقاصة الضريبية، مما أدى إلى عجز مالي كبير في موازنة السلطة الوطنية الفلسطينية. ما أعاق حتى دفع رواتب الموظفين العموميين وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية على نحو معقول تفاقمت تداعياته مع فرض الاحتلال قيود مشدده على الضفة الغربية من الاغلاقات، والحواجز، ومنع العمال من العمل في إسرائيل، وتدمير البنية التحتية. وسط ُتوقع ارتفاع طفيف جداً في النمو بنسبة 1% – 2% لعام 2025، وهو ما لا يعوض الانكماش الحاد السابق، ويبقى مستقبل التنمية مرهوناً بإنهاء الحرب والسيطرة على الموارد

وفي ظل توقع عام أسوأ اقتصاديا أخطر من كل ما سبقه، لم يعد قطف النباتات البرية مجرد عادة تراثية أو نشاط موسمي تقليدي، بل تحوّل في نظر كثيرين إلى ضرورة معيشية فرضتها الظروف الصعبة، في ظل محدودية الدخل وقلة فرص العمل وتزايد الأعباء الحياتية.

يأتي هذا فيما حذر وزير المالية والتخطيط، اسطفان سلامة، في مؤتمر صحفي عقده برام الله نهاية الأسبوع، من أن الوضع المالي للسلطة الوطنية الفلسطينية بات “خطيرا للغاية” يهدد استمرار تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين في ظل امتناع سلطات الاحتلال الاسرائيلي عن تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية (المقاصة) للشهر العاشر على التوالي.

وحتى تاريخه، تحتجز إسرائيل ما يعادل 4.4 مليار دولار (حوالي 13 مليار شيكل) من أموال المقاصة الفلسطينية.

وقال سلامة، “للشهر العاشر لم نستلم أقرشا من أموالنا، الوضع أصبح خطيرا للغاية ويهدد قدرتنا على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين”، مشددا على ان “لا بديل عن المقاصة التي تشكل حوالي 70% من الإيرادات العامة الفلسطينية تسرقها إسرائيل. مقدرا انه لا يوجد دولة في العالم يمكنها الاستمرار في ظل غياب هذا القدر من إيراداتها”.

ويرى وزير المالية ان ما نعيشه ليس أزمة عابرة، بل تهديدا وجوديا: للمالية العامة، والاقتصاد، والمشروع الوطني الفلسطيني برمته تقف خلفه حكومة إسرائيل التي اتخذت قرارا بتدمير السلطة الوطنية، وما تقوم به تجاه البنوك (الفلسطينية) لعب بالنار وتجاوز لكل الخطوط الحمراء”.

وفي ظل تقلص الفرص في سوق العمل في الضفة وفي الداخل مع منع إصرار حكومة نتنياهو اليمنية المتطرفة على منع تشغيل العمالة الفلسطينية ودخولها، قال الشاب عاهد منصور: “الزعمطوط والخبيزة لم يعودا مجرد أكلة شعبية نتذكرها من أيام زمان، بل أصبحا خياراً أساسياً على مائدة كثير من العائلات”، موضحاً أن هذه النباتات توفّر غذاءً صحياً وآمناً، وتخفف من أعباء شراء الخضروات من الأسواق التي ارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ. وأضاف أن الخروج إلى الأرض يمنح شعوراً بالراحة النفسية إلى جانب الفائدة الغذائية.

وألزمت الإجراءات الإسرائيلية الممنهجة المؤسسات الحكومية الفلسطينية العمل دون الحد الأدنى بعشر درجات، بما في ذلك قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والأمن، وخلقت عجزا ماليا كبيرا عادل عشرة اضعاف المتوقع، فيما قدر وزير المالية اننا نحتاج مليار شيقل شهريا للعمل بهذا المستوى المتدني. والتقشف لم يعد خيارا، وإنما صار إجباريا”.

وعلاوة على اعتبارها مصدر رزق وغذاء فان الحاج عبد الرحمن يجمعها لسبب اخر، ويقول إنه يخرج يومياً للبحث عن النباتات البرية، مشيراً إلى أنه يفعل ذلك لما لها من فوائد صحية وربما علاجية، إضافة إلى الظروف المادية الصعبة التي يمر بها.

ولم يعد جمع النباتات البرية امرا سهلا وامنا للمواطنين حتى من ارضهم الخاصة جراء هجمات المستوطنين وملاحقة جيش الاحتلال او حتى محاولة منع الاستفادة منها بمزاعم شتى.

ويقول: “رغم المخاوف التي تنتابني أثناء البحث، خاصة مع وجود المستوطنين في المناطق القريبة، إلا أنني أصرّ على الذهاب إلى الأرض”.

ويعتبر الحاج عبد الرحمن أن قطف النباتات البرية يشكّل شاهداً حياً على صمود المواطنين وقدرتهم على التكيف مع الواقع الصعب، ورسالة بأن الأرض ما زالت تمنح أبناءها الخير مهما اشتدت التحديات.

الازمة المالية طالت أيضا المساعدات المالية والعينية المقدمة للفئات الضعيفة والمهمشة وبما فيها تلك التي توفرها وزارة التنمية الاجتماعية، وحتى تلك التي كانت تبادر اليها منظمات أهلية او جمعيات خيرية واطر شعبية وحتى جهود فردية ما فاقم الازمة.

من جانبها، تشير المواطنة انتصار علي إلى أن تدهور الوضع المادي لعائلتها دفعها للبحث عن النباتات البرية، مثل الزعمطوط والخبيزة ولسان الثور، لتأمين وجبات غذائية متكاملة لأطفالها. وتقول: “توفر هذه النباتات علينا مصاريف كثيرة، خاصة في ظل الغلاء، وأحياناً تكون هي الوجبة الرئيسية في البيت”.

وتعكس هذه الظاهرة عمق العلاقة المتجذرة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، حيث تتحول الطبيعة إلى ملاذ آمن ومصدر للرزق في أوقات الأزمات. فبين التراب والنبات، يجد المواطنون ما يسد رمقهم ويحفظ كرامتهم، مستندين إلى إرث طويل من الاعتماد على الأرض كمصدر للحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى