أقلام وآراء

جذور أزمة الاقليات وانحراف البوصلة

 

 بقلم: د. فريد اسماعيل

ما يحدث اليوم في شمال شرق سوريا يدفعنا إلى التمحيص في جذور أزمة حقوق الاقليات في المنطقة العربية التي تعود في جوهرها إلى تداخل مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية.  ومن الطبيعي أن هذه الأزمة ليست حكرا على منطقتنا، فالأقليات موجودة في كل الدول كما تؤكد الأمم المتحدة، لكن بعض الدول، لا سيما العريقة في ديمقراطيتها تمكنت إلى حد بعيد من التفاعل مع هذه القضية الحساسة من خلال التعامل معها عبر ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية القائمة على سن قوانين تحمي الحقوق الثقافية والدينية، وتطبيق سياسات الادماج والتعددية الثقافية التي تضمن مشاركة الاقليات في الحياة السياسية والاجتماعية، وجعل الاقليات جزءًا من الهوية الوطنية دون أي عزل أو تهديد. فدساتير الدول الديمقراطية تنص على المساواة أمام القانون دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة، ما كرس مفهوم الانتماء والمواطنة لدى كل الشرائح المجتمعية القائم على المساواة في الحقوق والواجبات. كما أن غياب الديمقراطية أو تطبيقها بشكل انتقائي في دول أخرى، يحولها إلى كيانات هشة ينخرها فساد الفئة الحاكمة القلقة دوما على مواقعها والتي تستغل الانقسامات الدينية والعرقية لتعزيز سلطتها، ما يوسع الهوة بينها وبين شعوبها والشرائح المكونة لمجتمعاتهم وعلى رأسهم الاقليات التي تعاني التهميش وتخشى على مصيرها نتيجة غياب مفهوم المواطنة الحقيقية، ما يدفعهم إلى النضال من أجل أن يصبحوا مكونا متساويا في الهوية الوطنية.  كما أن هذا الواقع يشكل دافعا للصراع داخل الشرائح المجتمعية ذاتها، بين الفئات صاحبة الامتيازات والنفوذ والفئات المهمشة المنتقصة حقوقها، يصل في حدته في حالات عديدة إلى مرحلة الصراع المسلح. وقد عانت اقليات عدة عبر العالم من العنصرية والتمييز وانتهاك للحقوق المدنية والسياسية كالروهينغا في ميانمار، كما أن ضعف الإدماج الثقافي في مناطق أخرى كأوروبا الشرقية وافريقيا، أفقد الاقليات الهوية واللغة. وفي البلقان تم استغلال الاقليات كورقة ضغط في لعبة الصراع والتدخلات السياسية والعسكرية. أما في رواندا فقد عانى التوتسي والهوتو من التهجير القسري والانتهاكات الجسيمة نتيجة النزاعات المسلحة. بالمحصلة، فإن هذا النوع من الصراعات يفتح الباب أمام الدول والقوى صاحبة المشاريع الكبرى للتدخل بحجة دعم الاقليات والفئات المهمشة، بينما الهدف الأساس غالبا ما يكون بعيدا عن أي حق أو مظلومية، إذ تصبح هذه الفئات أدوات في إطار مشروع خارجي رسمته الدول المتدخلة، ويتم التخلي عنها حين إنجاز المهمة.

أما في منطقتنا العربية، فقد عملت القوى الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا على رسم الحدود بشكل مصطنع، مما أدى إلى دمج جماعات مختلفة في كيان واحد دون مراعاة التنوع.  كما أن معظم الدول العربية ركزت بعد استقلالها على هوية قومية أو دينية واحدة، مما همش الاقليات العرقية والدينية، والعديد من الحكومات العربية تعاملت مع الاقليات كتهديد محتمل، ومارست سياسات الإقصاء أو القمع لضمان السيطرة. كما أن القوى الدولية استغلت ولا تزال قضية الاقليات لتبرير تدخلاتها أو دعم حركات انفصالية كما حدث في السودان والعراق وسوريا. فضعف المؤسسات الدستورية والقانونية جعل من حقوق الاقليات مادة للتلاعب السياسي ونافذة للتدخل الأجنبي، والامثلة شاخصة وكثيرة تمتد من أقصى المغرب العربي الى أقصى مشرقه.  وبذلك يمكن تحديد جذور ومسببات هذه الأزمة بعدة عوامل أبرزها الاستعمار، الهوية القومية الاحادية، الاستبداد السياسي، الخطاب الطائفي، والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والقانوني.

في المرحلة الراهنة يأخذ موضوع حقوق الاقليات في المنطقة العربية منحى غاية في الحساسية مع تصاعد المشروع الصهيوني، حيث تستغل دولة الاحتلال التحولات في العالم والاقليم لتحقيق أحلامها التوسعية من خلال التدخل في مناطق الصراع بحجة الدفاع عن حقوق الاقليات ووجودهم، وتقدم نفسها منقذا لهم وحاميا. وهذا ما يحدث اليوم في سوريا بحجة حماية الدروز في السويداء، ما شجع بعض المتعاونين مثل حكمت الهجري على رفع سقف مطالباته التي وصلت إلى حد التعاون والتنسيق الكامل مع إسرائيل والمطالبة بدعم دولي من أجل انفصال السويداء عن سوريا. وفي ذات السياق كان الهجري قد قال في مقابلة مع موقع واي نت الإسرائيلي التابع لصحيفة يديعوت احرنوت:” نحن نرى أنفسنا جزءا لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل، ونرى أنفسنا ذراعا أبرم تحالفا معها، ومطلبنا هو الاستقلال التام ” مضيفا أن علاقتهم بإسرائيل تسبق سقوط النظام السابق في سوريا.

أما بالنسبة لشمال شرق سوريا، فإن التقارير الواردة من الإعلام العبري تشير إلى أن مسؤولين كبارا في قوات سوريا الديمقراطية طلبوا المساعدة من إسرائيل بشكل عاجل. وبحسب صحيفة إسرائيل هيوم العبرية فإن الحوار كان موجودا بين قسد وإسرائيل، لكنه بات أقوى بعد سقوط نظام الأسد. وفي ذات السياق، فقد أعلنت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد في حديث لصحافيين عن التواصل مع شخصيات إسرائيلية مؤكدة ترحيب قواتها بتلقي دعم من أي كان. كذلك كان أحد أبرز قادة قسد سيبان حمو قد طالب إسرائيل بالتدخل لحمايتهم كما حدث في السويداء على حد تعبيره. اما دولة الاحتلال فإنها تقف أمام معضلة معقدة تتعلق بالموقف الامريكي وبردود الفعل الإقليمية والدولية حيال أي تدخل عسكري إسرائيلي خاصة مع تركيا التي ترفض وجود قسد على حدودها بحسب الصحيفة نفسها.

مما لا شك فيه أن الأكراد تعرضوا لمظلومية كبرى على يد قوى الاستعمار التي بعثرت جغرافيتهم بين دول أربع، وازدادت معاناتهم مع سياسات التمييز والتهميش والعزل التي مارستها أنظمة تلك الدول تجاههم، وصلت إلى حد حرمانهم من الحق في الجنسية.  ومما لا شك فيه أيضا أنهم امتلكوا الحق بالنضال من أجل أن يصبحوا جزءًا متساويا من الهوية الوطنية لتلك الدول، لكن انحراف بوصلة النضال توقعهم في مصيدة القوى المتربصة بالمنطقة وشعوبها. فتحالف الهجري وجماعاته في السويداء مع إسرائيل، وطلب بعض القادة الأكراد المساعدة من دولة الاحتلال، يحولهم إلى أدوات وظيفية تضيع معها حقوقهم ويتم التخلي عنهم حين انتهاء الدور. فبوصلة النضال تصبح خطرة جدا على الذات حين الانحراف.

 

زر الذهاب إلى الأعلى