أقلام وآراء

مجلس للسلام أم أداة لتشكيل نظام دولي جديد؟

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

أعلن الرئيس ترامب في دافوس عن تشكيل “مجلس السلام الدولي” ووقع على وثيقته، بما يشكل مسعى جديداً لفرض الهيمنة الأمريكية على نظام دولي جديد، ليس فقط نظامًا أحادي القطبية سيطرت عليه الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونظام الدول الاشتراكية في نهاية العقد الماضي، بل استخدمت فيه الولايات المتحدة وسائل متعددة لفرض هيمنتها؛ بدءاً من التدخل العسكري والتهديد، بما في ذلك اختطاف رؤساء دول ذات سيادة وأعضاء في الأمم المتحدة، وصولاً إلى استخدام المال السياسي، وحجب الاشتراكات في الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، وسلاح العقوبات والحظر وتجميد الأموال للدول.

كما ذهب الأمر أبعد من ذلك عبر الانسحاب من اتفاقيات ومنظمات دولية محورية، فقد انسحبت الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، ومنظمة الصحة العالمية، كما خفضت بشكل كبير مساهماتها في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، وبلغ الأمر حد توقيع قرارات بالانسحاب من نحو 66 منظمة دولية، من بينها قرابة 30 منظمة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالأمم المتحدة، واستخدمت الولايات المتحدة أيضاً سلاح الفيتو الذي شل المنظومة الدولية من القيام بمهامها ومسؤولياتها لحفظ الأمن والاستقرار في العالم، وهو ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريش إلى تحميل مجلس الأمن المسؤولية عن الفوضى الدولية الناشئة، دون الإشارة إلى مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية.

منذ الإعلان عن إنشاء ما يسمى “مجلس السلام”، عقب إطلاق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة والإشراف على إعادة إعمارها في شرم الشيخ، بدا واضحاً أن هذا المجلس لم يصمم ليكون إطاراً مؤقتاً أو آلية خاصة بغزة لتطبيق قرار مجلس الأمن 2803 فحسب، بل ليأخذ طابعاً أوسع وأخطر يتجاوز جغرافيا غزة والشرق الأوسط ليصل إلى إعادة صياغة منظومة إدارة النزاعات الدولية برمّتها، فوفقاً للميثاق المعلن، يقدم الرئيس ترامب “مجلس السلام” على أنه منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها، وهي عناوين كبرى لطالما شكلت جوهر عمل الأمم المتحدة ومؤسساتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام مبادرة لإنهاء النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، أم مشروع بديل يسعى فعلياً إلى تقويض دور الأمم المتحدة واستبدالها؟

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مجلس السلام عن محاولات إعادة إنتاج مقاربة أمريكية قديمة – جديدة لإدارة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي تقوم على تجاوز المرجعيات الدولية المعتمدة، وخطورة هذا المجلس تتجلى بشكل خاص عند إسقاطه على الحالة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة، إذ يراد له أن يشكل بوابة لفرض صيغة جديدة من الوصاية السياسية والأمنية تحت غطاء إعادة الإعمار والسلام، وبدل الاحتكام إلى قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، وعلى رأسها القرارات المتعلقة بحق تقرير المصير وحق العودة وإنهاء الاحتلال، يجري الالتفاف على هذه المرجعيات عبر إطار بديل يختزل القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني والإغاثي ويفصل غزة عن سياقها الوطني، في إعادة إنتاج سياسات تهدف إلى إدارة الصراع لا حله، وتحويل معاناة الشعب الفلسطيني إلى ملف تقني يخضع لشروط المانحين وتوازنات المصالح الدولية، بعيداً عن جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة بتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة طبقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

وعلى المستوى الدولي، لم تمر مقاربة الرئيس ترامب دون ردود فعل وتحفظات واضحة، فقد أعلنت عدة دول، في مقدمتها فرنسا وبريطانيا، والغالبية العظمى من دول الاتحاد الأوروبي، وكندا، والصين الشعبية، رفضها أو تحفظها على المشروع، ويقود الرئيس البرازيلي دي لولا حملة دولية لمناهضة هذا المشروع، كما أعلنت دول أخرى عن تحفظها الصريح على الإطار والمضمون الذي يقوم عليه مجلس السلام، معتبرة أنه يتجاوز قضية غزة ليشكل مساساً مباشراً بمبادئ وهيكلية الأمم المتحدة.

وفي هذا الإطار، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده لا تعتزم تلبية دعوة ترامب للانضمام إلى المجلس، لأن ميثاقه يتناقض مع أسس النظام الدولي القائم ويقوض دور الجمعية العامة للأمم المتحدة كمنصة شرعية جامعة للدول، وعليه، فإن السؤال لم يعد محصوراً في جدوى مجلس السلام أو فعاليته العملية، بل بات مرتبطاً بطبيعة المشروع السياسي الذي يقف خلفه، فالمسألة تتجاوز غزة وإعادة إعمارها لتصل إلى محاولة فرض نموذج جديد لإدارة العالم بقيادة رئيس الولايات المتحدة منفرداً، ضارباً عرض الحائط النظام الدولي القائم على التعددية، ومعززاً الهيمنة على المؤسسات الدولية واستبدالها بهيئات فضفاضة تقودها قوة واحدة، بما يفتح الباب أمام نظام دولي أقل عدالة وأكثر خضوعاً لموازين القوة لا لموازين القانون والشرعية الدولية.

إن دعوة الرئيس ترامب رؤساء وقادة دول العالم، بمن فيهم نتنياهو، للمشاركة في مجلس السلام، مع تجاوز دعوة دولة فلسطين ورئيسها للانضمام باعتبارها دولة معترف بها من قبل 160 دولة حول العالم وتحظى بصفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، هو محاولة لقطع الطريق نهائياً على أي إمكانية لعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة وفصله عن بقية الأرض الفلسطينية، وإطلاق رصاصة الرحمة على مشروع “حل الدولتين” والمبادرة العربية للسلام وكل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وكذلك قرارات القمم العربية والهيئات الرسمية الفلسطينية، بما فيها المجلس الوطني والمركزي.

إن قضية وقف الحرب والسلام في غزة وإعادة الإعمار ليست إلا مدخلاً ضرورياً لإطلاق المشروع الاستثماري الدولي الأهم في العالم لما يسمى “ريفيرا غزة”، وهو ليس استثماراً بالسلام بقدر ما هو تحميل للدول المشاركة بالمجلس دفع مليار دولار لإنشاء البنية التحتية اللازمة لإطلاق هذا المشروع، الذي يشكل الغالبية العظمى من أعضاء المجلس التنفيذي للسلام شركاء محتملين فيه.

كل ذلك يضع تحدياً أمام القيادة الفلسطينية الغائبة عن منتدى دافوس: هل ستستمر في انتظار دعوتها كعضو مراقب في المجلس، أم ستصر على المشاركة الكاملة، أم ترفض المشاركة من حيث المبدأ؟ في الوقت الذي ذهب فيه حلفاؤها من الدول العربية والإسلامية الثمانية لإعلان قبولهم دعوة ترامب للمشاركة في المجلس دون التشاور معها، مع الأخذ بالاعتبار لضرورة الاعتراف بدولة فلسطين صاحبة الحق الأصيل لتقرير مستقبل شعبها وولايتها السياسية والقانونية والجغرافية على الأرض الفلسطينية في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية.

إن القيادة الفلسطينية، التي تتحلى بالواقعية السياسية وهي صاحبة المبادرات لضمان حقوق شعبنا ووحدة أرضه ونظامه السياسي، لن تقبل أن تكون في وضع المراقب، ولن تقبل أن يتحول قرار تقرير مصير شعبها ومستقبله إلى قضية إغاثية وإنسانية، بدل ممارسة حقها بتقرير المصير والحرية والاستقلال وإقامة دولتها المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، على الأقل انطلاقاً من تنفيذ القرار 2803 لمجلس الأمن، الذي من المفترض أن يكون أساس إنشاء هذا المجلس.

وفي النهاية، قد لا ينجح ترامب فعليًا في استبدال الأمم المتحدة وهيئاتها ومنظماتها، لكنه بلا شك سيواصل السعي لإفراغها من مضمونها ودورها، وهو مسار يحمل في طياته مخاطر كبرى على مفهوم الشرعية الدولية والقانون الدولي، وعلى قضايا الشعوب المضطهدة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة التي لطالما شكلت الأمم المتحدة أحد آخر ميادين الدفاع السياسي والقانوني عنها.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى