أقلام وآراء

تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة حدث وطني لإنهاء الحرب والانفصال

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

يمكن اعتبار تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة حدثاً وطنياً بامتياز، يشكّل خطوة أساسية لوقف الحرب، والانتقال من حالة هدنة هشة استمرت منذ مؤتمر شرم الشيخ، وتبنّي مبادرة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين على المستويات الدولية والعربية، وكذلك على مستوى الرسمية الفلسطينية، بما يفضي إلى إسناد قيادة الجهد الدولي لوقف الحرب للإدارة الأمريكية، وضمان الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة.

وبصرف النظر عمّا شاب الفترة الزمنية الفاصلة بين إعلان الخطة وتحولها لاحقاً إلى قرار مجلس الأمن رقم (2803)، وما حمله ذلك من تحفظات وثغرات عبّرنا عنها في حينه، فإن الهدف الأساس بالنسبة لنا كان وقف حرب الإبادة، والقتل جوعاً، والتشريد، والترحيل القسري الداخلي والخارجي، والحفاظ على أمن وكرامة المواطن الفلسطيني، الذي دفع ثمناً باهظاً من مقدراته البشرية والمادية نتيجة مغامرات قيادة حركة حماس وارتباطاتها الإقليمية المعروفة.

إن تشكيل اللجنة الوطنية يعني عملياً الانتقال إلى تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب والقرار (2803)، ورغم ما شاب تطبيق المرحلة الأولى من ثغرات وانتهاكات لمضمون ومنطوق القرار والخطة من قبل حكومة نتنياهو، التي حاولت استنساخ النموذج اللبناني القائم على وقف إطلاق نار هش، مستخدمة ذريعة الرهائن الأحياء وجثث القتلى لاستمرار الحرب بأشكال أخرى، إضافة إلى ذريعة تجريد حركة حماس من سلاحها، فإن المفارقة تكمن في أن نتنياهو والإدارة الأمريكية كانا قد وافقا على عودة بسط سيطرة السلطة الشرعية على قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار، ومع ذلك، ما زال نتنياهو يفضّل حتى اللحظة عدم البدء بالمرحلة الثانية، والإبقاء على الوضع القائم إلى حين تحديد موعد الانتخابات المبكرة، في محاولة لإنقاذ نفسه من هزيمة سياسية نكراء تؤكدها استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية منذ أكثر من عام.

لم تولد اللجنة الإدارية من فراغ، بل جاءت نتاج مفاوضات شاقة بذلت خلالها الرسمية الفلسطينية جهوداً كبيرة لتثبيت العلاقة العضوية بين اللجنة والحكومة الفلسطينية الشرعية، في أبعادها القانونية والسياسية والإدارية والمالية والأمنية، وقد جرى رفض الخوض، مبدئياً، في بازار الأسماء المقترحة لتشكيل اللجنة قبل حسم القضية الجوهرية المتعلقة بهذه العلاقة، باعتبار أن هذا الربط يشكّل ضمانة حقيقية لإفشال أي محاولة لفصل قطاع غزة عن باقي الأرض الفلسطينية، ويضع حداً لمشاريع تقسيم القطاع إلى مناطق خضراء وصفراء.

والأهم من ذلك، أن هذا الربط يضمن إفشال محاولات تأسيس كيان سياسي أو إداري جديد يفصل قطاع غزة عن محيطه الوطني، ويقوّض الولاية السياسية والجغرافية والقانونية لدولة فلسطين ومنظمة على الأرض والشعب، كما يفتح الطريق أمام عودة السلطة الوطنية وحكومتها الشرعية تدريجيًا إلى إدارة قطاع غزة، وصولاً إلى إجراء الانتخابات العامة في نهاية العام الجاري، وتوفير السبل والإمكانيات للانتقال، بعد المرحلة الانتقالية، إلى مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

لقد استطاعت الشرعية الفلسطينية تأكيد حضورها السياسي والقانوني من خلال الإعلان عن تشكيل اللجنة، ثم تبع ذلك الإعلان الأمريكي، رغم محاولات حركة حماس وبعض القوى التي تدور في فلكها خلق مركز قيادي موازٍ للشرعية الفلسطينية، عبر اجتماعات عقدت في إحدى العواصم العربية، والإعلان عن دعمها لما سمّي لجنة فلسطينية بديلة، والدعوة إلى حوار فصائلي من لون سياسي واحد، مهما تعددت درجاته، إذ إن الفروق بينها ليست في النوع بل في الدرجة، وكأن مستقبل قطاع غزة و«اليوم التالي» شأن فصائلي ضيق، لا قضية وطنية عامة تقرّها منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ودولة فلسطين.

إن أي حوار فلسطيني – فلسطيني لا يكتسب شرعيته إلا إذا تم بدعوة من رئيس الشرعية الفلسطينية، الرئيس محمود عباس، وتحت مظلة منظمة التحرير، وأي حوار يعقد خارج هذه المظلة الوطنية، فلا يعدو كونه محاولة لإدامة الانقسام وخلق مركز موازٍ أو بديل للشرعية.

وانطلاقاً من تثبيت شرعية اللجنة وارتباطها بالنظام السياسي الفلسطيني، فإنها تواجه جملة من المهام الثقيلة في ظل واقع معقّد ومركّب، يتراوح بين علاقتها بالمجلس التنفيذي للسلام ورئيسه نيكولاي ملادينوف، ومجلس السلام الدولي، وبين إدارة الوضع الداخلي الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي والخدماتي في قطاع غزة، بعيداً عن أي دور سياسي مباشر، ما يضعها أمام تحديات كبرى، من أبرزها:

  • محاولات نتنياهو المماطلة في فتح معبر رفح، والبدء بالانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تشكّل نحو 60% من مساحة قطاع غزة، لتحلّ محلها قوة الاستقرار الدولية.
  • مسألة تسليم سلاح حماس، باعتبارها شرطاً مبدئياً للانتقال الفعلي إلى المرحلة الثانية، ومدى جاهزية الحركة لذلك، في ظل انتقالها من الرفض المطلق إلى القبول بالبحث المبدئي، وإدارتها حوارات باتت معروفة مع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي بشأن السلاح، في محاولة لاستنساخ النموذج الإيرلندي، رغم الفوارق العميقة في السياق والتجربة والتاريخ.
  • ترسيخ عمل اللجنة كسلطة شرعية، امتدادًا للسلطة المركزية الفلسطينية، وإنهاء وفكفكة سلطة الأمر الواقع التي فرضتها حركة حماس على مدار سنوات الانقسام، وتأكيد وحدانية السلطة والقانون والسلاح الشرعي الواحد، بدعم وغطاء وطني وإقليمي ودولي.
  • الاستجابة لتطلعات الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، الذي ينتظر اللحظة للتخلص من ويلات الحرب ومسبباتها، عبر الإسراع في أعمال الإغاثة والإيواء لغالبية السكان، والبدء العملي، بالتعاون مع الحكومة الفلسطينية والمانحين، في تنفيذ خطة التعافي المبكر.
  • ضمان الأمن والأمان للمواطن الفلسطيني، الذي فقدهما بين الاعتداءات الإسرائيلية من جهة، وتسلط أجهزة حركة حماس والعصابات المسلحة من جهة أخرى، وذلك من خلال الدور الحازم للشرطة الفلسطينية وانتشارها في جميع مناطق القطاع دون استثناء.
  • تقديم المساعدات والخدمات لجميع مناطق القطاع، سواء داخل ما يسمى بالمناطق الخضراء أو الصفراء، تأكيداً على وحدة الأرض والشعب، ورفضاً لأي شكل من أشكال التقسيم.

إن الشعب الفلسطيني في القطاع والضفة بما فيها القدس، وفي أماكن وجوده كافة، يعوّل كثيراً على اللجنة الوطنية وقدرتها على منع فصل قطاع غزة وتقسيمه، وتضميد الجراح، وتهيئة ظروف معيشية أفضل عبر خطة التعافي المبكر، وإعادة الخدمات الطبية والتعليمية، وترميم البنية التحتية من مياه وكهرباء وصرف صحي، وفتح الطرق، وإزالة الركام، تمهيداً لإعادة الإعمار، وصولاً إلى إجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية، وتجديد بنية النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتعددية.

إن نجاح اللجنة في أداء مهامها يتطلب، توفير المناخ السياسي والاجتماعي الملائم، والالتفاف الشعبي حولها، وتعزيز دعم الشرعية الوطنية، إلى جانب المساندة الدولية لإنجاز مهامها، وأي عراقيل أو محاولات لإفشال عملها من قبل الجهات المتضررة من فقدان نفوذها وسلطتها السابقة في قطاع غزة، ستواجه، قبل كل شيء، بإرادة الشعب الفلسطيني الذي عانى كثيراً ودفع أثماناً باهظة نتيجة الانقسام السياسي، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة، والمغامرات العسكرية التي خدمت أجندات إقليمية، وكانت نتائجها كارثية على شعبنا ومستقبله السياسي، كما ستواجه موقفاً حازماً من الأطراف الدولية الضامنة لتطبيق خطة ترامب وقرار مجلس الأمن، وفي مقدمتها الشرعية الوطنية الفلسطينية.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى