الفطر البري موسم خصب حوله الاحتلال الى مخاطرة قاتلة في جبال سلفيت

![]()
جنود ومستوطنون وخنازير وزواحف أطلقها الاحتلال تتربض بجماعي الثمار
سلفيت – فينيق نيوز – تقرير- عهود الخفش – منذ ساعات الصباح الأولى، ومع أول أنفاس النهار الباردة، ينطلق خلسة المواطنون من قاطفي ثمار الفطر البري (الفقع) إلى جبال واد قانا في بلدة دير استيا شمال غرب سلفيت. خطواتهم حذرة، وعيونهم ترقب المكان، في رحلة شاقة بحثًا عن رزقٍ موسمي لا يدوم طويلًا، لكنه يشكّل موردًا أساسيًا لعشرات العائلات التي باتت مسكونة بهواجس خوفٌ جراء اعتداءات جنود الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، الذين يتبرصون بهم وينكلون بل من تطاله ايدهم.
هناك، حيث تعانق الأرض السماء، يولد الفطر البري خلسة من رحم الأمطار الغزيرة، زائرٌ شتوي عابر لا يمكث طويلًا، لكنه يترك أثرًا كبيرًا في حياة القاطفين. فتتحوّل الجبال إلى مساحة أمل، تمتزج فيها قسوة البرد بنداء الحياة، ويغدو الفقع شاهدًا حيًا على علاقة الفلسطيني بأرضه، بين المخاطرة والرزق.
يقول المواطن عاهد منصور (40 عامًا)، أحد قاطفي الفقع من بلدة دير استيا، إن هذا الموسم يُعد مصدر رزق مهمًا ينتظره الأهالي في كل عام، كونه يشكّل دخلًا أساسيًا للعديد من العائلات. موضحا أن القاطفين يواجهون تحديات جسيمة، في مقدمتها ملاحقة قوات الاحتلال وما تُسمى بـ“سلطة الطبيعة” التي تفرض غرامات مالية باهظة، إلى جانب اعتداءات المستوطنين الذين يعمدون إلى طرد القاطفين ومصادرة ما يجمعونه من ثمار، فضلًا عن الدوريات العسكرية التي تلاحقهم باستمرار.
وفي بداية الموسم هذا العام، بيع الكيلو غرام الواحد من الفطر البري المصدر بسعر تراوح بين 25 – 30 شيقلا للكيلو غرام الوحد، فيما يستطيع جامع مجتهد جمع نحو 20 كليو غراما في المعدل إذا ما حالفه الحظ، لكن الأسعار هذا الموسم تدني الى نحو 15 شيقلا للكيلو مع ضعف القدرة الشرائية للمواطنين في ظل الحصار الاقتصادي الذي يفرضه الاحتلال على الأراضي الفلسطينية.
ولا تقتصر المخاطر، بحسب منصور، على ممارسات الاحتلال فحسب، بل تمتد إلى أخطار اخرى تهدد حياة القاطفين، أبرزها الخنازير البرية المتوحشة، التي يتهم الاحتلال والمستوطنون باطلاقها، والزواحف السامة كالأفاعي والعقارب. ويشير إلى أن الفقع ينمو عادة بين نباتات شوكية مثل السريس والنتش وتحت أشجار البلوط، وهي بيئات تُعد ملاذًا لتلك الزواحف. كما أن انتشار المستوطنات والسياج الأمني يحرم القاطفين من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، ما يضطرهم إلى المجازفة والتوجه نحو مناطق وعرة وخطرة لجمع أكبر كمية ممكنة من الفقع، في ظل الطلب المتزايد عليه.
من جهته، يقول المواطن زكريا دمدوم من قرية فرخة إن هذا العام يشهد سخاءً ملحوظًا في توفر الفطر في جبال محافظة سلفيت، مشيرًا إلى أنهم تمكنوا من قطف أقراص يصل وزن الواحد منها إلى نحو كيلوغرامين. ويضيف: “ننتظر موسم الفقع في كل عام بشغف، لما يحمله من فرصة للخروج إلى الجبال وقطف هذه النبتة البرية”، موضحًا أن تميّز الفقع لا يقتصر على مذاقه الشهي، بل يكمن في مشقة العثور عليه بعد ساعات من البحث في الجبال الوعرة وبين الأشواك. ويتابع: “عند العثور عليه، تغمرنا فرحة كبيرة، يتبعها شعور بالرضا وشكر الله على هذه النعمة”.
بدوره، يقول الحاج سليمان (88 عامًا) إن قطف الفقع يُعد موسمًا سنويًا ينتظره أهالي المحافظة، وخصوصًا سكان بلدة دير استيا، لما يحمله من قيمة غذائية وتراثية واقتصادية في آنٍ واحد. ويؤكد أن بعض الأهالي يقطفون الفقع للاستهلاك المنزلي، فيما يعتمد عليه آخرون كمصدر دخل من خلال بيعه في الأسواق المحلية. ويضيف أن هذه المهنة توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، في مشهد يعكس عمق ارتباط الإنسان بأرضه، لافتًا إلى أن معرفة أماكن نمو الفقع ووقت ظهوره تحتاج إلى خبرة ودراية، خاصة بعد هطول الأمطار وتوفر الظروف الطبيعية المناسبة.
ويُذكر أن الفطر البري ينبت سنويًا في أراضي قرى محافظة سلفيت خلال فصل الشتاء، غالبًا في شهري تشرين الثاني وكانون الأول، ويستمر موسمه نحو ثلاثة أسابيع. ويظهر الفقع بعد تساقط الأمطار الغزيرة يعقبها سطوع أشعة الشمس، إذ يحتاج إلى الرطوبة والضوء معًا لينمو.
وتُعد منطقة واد قانا من أبرز المناطق التي ينبت فيها الفقع، لا سيما في أراضي بلدات دير استيا وكفر الديك وفرخة وكفل حارس، حيث ينمو تحت أشجار البلوط والسريس والبطم. وتتعدد أنواعه في المنطقة، من بينها بحسب التسمية المحلية، “الشوَى” الذي يميل لونه إلى الصفار، و“الأبيض” أو “البيوضي”، إضافة إلى “زَقَم العجل” و“أبو عصب”.
ويواجه الفلسطينيون في مناطق ريفية مختلفة، خصوصاً في سلفيت، ملاحقات ومضايقات من الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه خلال موسم قطف الفطر البري، حيث يتم اعتقال بعضهم، الاعتداء عليهم، أو إطلاق الذخائر لمنعهم، في ظل تصاعد هجمات المستوطنين وميليشياتهم الإرهابية بحق المواطنين وممتلكاتهم خاصة خلال مواسم قطف الثمار البرية، حيث تعتمد العديد من العائلات عليها كمصدر دخل في مثل هذا الوقت من السنة، وسط محاولات متكررة لفرض واقع جديد وتهجير الأهالي من أراضيهم الزراعية والرعوية.
ويتعرض المواطنين الفلسطينيين لهجمات من قبل مستوطنين أثناء قيامهم بالبحث عن ثمار الفطر في منطقة الأقرع شمال بلدة ديراستيا كان اخرها الجمعة الماضية حيث احتج عدد منهم.
وتعد عملية البحث عن الفطر وجنيه شاقة اذ ينمو بين نبات السريس الشوكي والنتش والبلوط ويكون أسفلها وغالبا ما يكون مغطى وغير ظاهر، وهذه الأماكن مفضلة بالنسبة للزواحف. ويلفت إلى أن وجود المستوطنات في المكان يمنعهم من الاقتراب منها ومن السياج الأمني الخاص بها، فيخاطرون بأنفسهم، ويقتربون حيث ينمو نبات الفقع أو الفطر بكثرة، ويحاولون كسب أكبر عدد ممكن من الثمار ليسدوا جزءًا من الطلب الزائد عليه
ويقول رئيس بلدية دير استيا سعيد زيدان ان “قطف الفطر البري موسم سنوي، وينتظر أهالي بلدة دير استيا هذه الموسم، ومنهم من يقطفه للاستهلاك المنزلي أو بهدف التجارة وكمصدر دخل” لافتًا إلى أنه طعام شعبي يدخل منازل البلدة المحاصرة بالاستيطان، والتي تتصف بجمال عمارتها في البلدة القديمة. ويضيف زيدان: “الاحتلال يحارب المواطنين حتى في أثناء جنيهم النباتات الطبيعية باسم سلطة الطبيعة؛ مع أن هذه السلطة التابعة للإدارة المدنية بجيش الاحتلال غيرت معالم المنطقة باستحداث الطرق الالتفافية وبناء المستوطنات وسرقة المياه الجوفية والسطحية معًا”. مدير دائرة الزراعة في محافظة قلقيلية المهندس أحمد عيد يقول: “النباتات البرية لها قيمتها التراثية والغذائية والتجارية عند الفلسطينيين”، مبينًا أن الاحتلال بأدواته على الأرض يحارب الفلسطيني حتى في قطفه النباتات الطبيعية والتي توارثها الأبناء عن الآباء وعن الأجداد. ويشير عيد إلى أن الفقع ينمو في الجبال والوديان المهجورة، ويعد دافعًا للفلسطينيين لتعميرها وهذا ما يقلق الاحتلال، فهو يرغب بعدم وجود أي وجود بشري في المكان ليضمن المصادرة مستقبلًا بحجة أنها أرض فارغة، مضيفًا: “لذا يطلق الخنازير والزواحف لتهاجم الفلسطينيين إذا أفلتوا من دوريات الاحتلال ودوريات سلطة الطبيعة”.
ورغم المخاطر كافة، يواصل قاطفو الفقع رحلتهم السنوية بقلوب واجفة وأيدٍ متعبة، مدفوعين بحب الأرض وحاجة العيش، في مشهد يجسّد صمود الإنسان الفلسطيني وتمسّكه بأرضه، حتى في أبسط تفاصيل رزقه.