أقلام وآراء

فلسفة التهديد في الفكر الصهيوني

 

بقلم: عائدة عم علي

لغة التهديد والوعيد الذي دأب عليها ساسة وقادة الاحتلال الصهيوني سرعان ما تتحول عادة الى مادة للمزايدة والدعاية الانتخابية شائعة التداول بدءا من أصغر ناطق عسكري وصولا الى أعلى هرم السلطة السياسية والأمنية الاسرائيلية وما بينهما من موظفين رسميين إلى الدرجة العاشرة، يتقنون لغة واحدة ثابتة لا تتبدّل: التهديد، الوعيد، والتلويح بالإبادة، فهي لغة لا ترتبط بظرف طارئ ولا بردِّ فعلٍ آني، بل تكاد تكون عقيدة خطابية قائمة على عنجهية صهيونية متوارثة. والمزايدة في العنف والعدائية تجاه الفلسطينيين والعرب تصبح معياراً للجدارة القيادية، يتنافس السياسيون والعسكريون على من يبدو منهم أكثر استعداداً للقتل، وأكثر استخفافاً بالقيم الإنسانية والأخلاقية والقانون الدولي، وأكثر وقاحة في الدعوة للعنصرية وللإبادة، في استعراض داخلي، موجّه للناخب قبل الخصوم.

خطاب التهديد لدى قادة الكيان يشكل آلية تعويض كلاسيكية عن شعور عميق بالقلقِ وعدم الأمان، فالدولة التي قامت بالقوة والإجرام والاحتلال وتواصل بذات الأساليب والوسائل، وتعيش في محيط يرفضها، لا يمكنها أن تطمئن إلى ذاتها، التهديد هنا ليس دليلاً على الثِّقة بل علامة ضعف بنيوي، ومحاولة دائمة لإقناع الذات قبل إقناع الآخر بأنَّ الردع ما زال قائماً، وكلما تآكل الردع في الواقع ارتفعت نبرة التهديد لاسيما على المستوى السيكولوجي ما يدفع كيان الاحتلال الى هذا الإدمان المرضي على التهديد لربما تكون حاجة نفسية للظهور بمظهر المتطرف الأكثر “صهيونية” أو مزايدة داخلية على جمهور مأزوم في سوق التطرف، أم أنها امتداد طبيعي لعقيدة استعمارية عنصرية وأكثر فجاجة ووقاحة عن نزعة إجرامية متأصلة لم تعرف يوماً معنى التعايش لذلك تلجأ الى لغة التهديد كتعويض نفسي عن قلق وجودي.

في كثير من الأحيان يكون التهديد كغطاء للفشل الاستراتيجي فحين تعجز المؤسسة العسكرية الاسرائيلية عن تحقيق أهدافها، يلجأ قادتها إلى تصعيد لغوي يعوّض العجز الميداني، وهنا يبدو التهديد محاولة لإعادة إنتاج الردع بالكلام بعد سقوطه في الميدان، وهنا نلحظ أن أشدّ التهديدات غالباً ما تُطلق عقب الإخفاقات العسكرية لا قبل النجاحات، في محاولة لإخفاء داخل الجيش والاستخبارات والمجتمع خلف ستار من الصراخ العدواني وتهديد الآخرين ممهوراً بنزعة إجرامية مقنّعة بخطاب أمني.

ومن الممكن أيضا ألا يكون التهديد مجرد كلام، بل تمهيداً نفسياً وعمليا لارتكاب المزيد من الجرائم، فحين يعتاد قادة الاحتلال على التلويح بالإبادة، يصبح تنفيذها لاحقاً أمراً “مفهوماً” أو “مستساغاً” أمام جمهور متعطِّش للقتل تمّت تعبئته تدريجياً، بهذا المعنى يشكل خطاب التهديد جزءاً من عملية تطبيع العنف واستسهاله، وتجريد الضحية من إنسانيتها تمهيداً لاستباحة دمائها.

والأهم  ما يتوجب علينا ادراكه أن خطاب التهديد لا يمكن فصله عن الجذور الأيديولوجية للحركة الصهيونية نفسها، فمنذ كتابات هرتزل مروراً بعقيدة بن غوريون وجابوتنسكي أحد منظّري الكراهية والقتل للعرب قدوة بنيامين نتانياهو وملهمه ومثله الأعلى، قامت الصهيونية على مبدأ “القوة تصنع الحق”، التهديد ليس انحرافاً عن هذه العقيدة بل تجسيدها الطبيعي، فالعرب والمسلمون في الوعي الصهيوني الكلاسيكي، ليسوا شركاء محتملين بل عائقاً يجب كسره أو إزالته، وعليه يصبح التهديد ممارسة طبيعية تعكس نظرة فوقية استعمارية ترى في الآخر مادة خاضعة لا إنساناً متساوياً.

فإقدام “إسرائيل” على فتح كلّ الجبهات في آن واحد من فلسطين الى لبنان وسورية واليمن وايران لتظهير قوّتها حمل في طياته أثراً معاكساً، اذ لأول مرة في التاريخ تتحسّس واقعاً هذه القوى بضرورة تقاربها ـ ولو النسبي ـ لمجابهة التحدي الأميركي الإسرائيلي، بعد أن اتضح ان “إسرائيل” غير قادرة على مواجهة تحديات المنطقة وان تضطلع بدور محوري فيها،  فظهر هذا التهديد ليلامس الوجودي, ولهذا صنف الإسرائيلي والأميركي مجموع هذه القوى المقاومة منها والقريبة من فكرة المقاومة إرهابية,  ما يعني انّ تصنيفه للخير والشر وحربه شملت كلّ القوى المقاومة بالفعل او المقاومة بالقوة ,وهذا تحوّل جوهري في المنطقة إذا ما نجحت هذه القوى في بناء استراتيجية تكامل وتعاون. ووفر لها فرصة لتعزيز تماسكها الداخلي، وأتاحت معرفة صحيحة للعالم لجوهر الكيان الصهيوني المضطرب ذاتيا وحقيقته الشريرة، والأهمّ أنها خلقت بيئة شعبية عارمة في المنطقة تعزم للانتقام الكبير في سياق معركة الأجيال.

أن تهديدات قادة الكيان ليست مصادفة كلامية ولا انفعالاً عابراً، ولا شطحات  بل إنها انعكاس مركب لقلق وجودي، ومزايدة داخلية وعقيدة عنصرية، وفشل استراتيجي، ونزعة إجرامية متأصّلة في كيان يهدّد باستمرار وهو في الواقع كيانٌ  هش وجبان و”أوهن من بيت العنكبوت” ويخشى المستقبل، ويَشك في شرعيَّته، ويعرف في قرارة نفسه أنّ القوة وحدها لا تصنع أمناً دائماً، أما الشعوب التي تُهدَّد فخبرتها التاريخية تقول إنَّ التهديد مهما علا صوته لا يلغي الحق ولا يكسر الإرادة، بل يكشف في نهاية المطاف هشاشة وضعف وقلق وجُبنَ من يطلقه من إسرائيل عدوة السلام والإنسانية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى