تقاير وتحقيقات

إدارة ترامب تصعد الحرب على الجنائية الدولية والهيئات الأممية بفرض عقوبات جديدة

 

بعد رفض المحكمة الطعن الإسرائيلي وتوصل فريقها القانوني لحقائق دامغة بشأن جرائمها 
باحثون: إجراءات واشنطن ضد الجنائية الدولية والأمم المتحدة تعكس مواقفها الداعم للاحتلال الإسرائيلي والتماهي مع مخططاته

تقرير – نائل موسى

واصلت الإدارة الامريكية هجومها على المحكمة الجنائية الدولية وقضاة المحكمة ومدعوها العامين وباقي المؤسسات والهيئات الأممية والدولية، دعما لإسرائيل تسعى الى إبقائها فوق القانون الدولي وتجنبيها وقادتها تبعات جرائهم وملاحقتهم قانونيا، وتكييف دورها مع مصالح واشنطن كقوة عظمى وحيدة ومهيمنه، من جانب، ولإحباط جهود القيادة الفلسطينية لتعزيز مكانة دولة فلسطين دوليا.

وفي هذا الإطار، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الخميس الماضي، فرض واشنطن عقوبات على اثنين من قضاة المحكمة بزعم استهدافهما إسرائيل، التي يواجه رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو ووزير حربه السابق يوأف غالانت، مذكرتي توقيف صادرة عن هذه الهيئة القضائية التي تتخذ مقرا في لاهاي بتهمة ارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني.

وأعلنت الخارجية الأميركية، فرض عقوبات على القاضيين غوتشا لوردكيبانيدزه من جورجيا، وإردينيبالسورين دامدين من منغوليا على خلفية مشاركتهما بشكل مباشر في جهود المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق مع مواطنين إسرائيليين أو اعتقالهم أو احتجازهم أو محاكمتهم، دون موافقة إسرائيل، بما في ذلك التصويت مع الأغلبية لصالح قرار المحكمة ضد استئناف إسرائيل في 15 ديسمبر/كانون الأول.

وفي مسعى لتبرير الخطوة العدائية، زعم روبيو ان “الجنائية الدولية تواصل الانخراط في أعمال مسيسة تستهدف إسرائيل في سابقة خطيرة تمس جميع الدول”.

وأضاف: “لن نتسامح مع انتهاكات الجنائية الدولية التي تخضع مواطنين أمريكيين وإسرائيليين بشكل غير مشروع لولايتها”، و“سنواصل الرد بعواقب وخيمة وملموسة على ممارسات المحكمة التي وصفها بغير القانونية وتجاوزاتها”.

وتتضمن الإجراءات المعلنة حظر دخول الأفراد المعنيين إلى الأراضي الأميركية، وتجميد أي أصول لهم في الولايات المتحدة، ومنع أي معاملات مالية معهم.

وأعلن عن العقوبات الجديدة غداة رفض الجنائية الدولية لطعن الرئيسي الذي قدمته إسرائيل ضد أوامر باعتقال نتنياهو وغالانت.

فقد أيد القضاة قرارا سابقا صادرا عن الدائرة التمهيدية، خلص إلى عدم وجود “وضع جديد” يفرض على الادعاء إعادة إطلاق الإجراءات أو توجيه إشعار جديد إلى إسرائيل.

وجاء القرار الأمريكي ضمن سلسة إجراءات عقابية متلاحقة طالت قضاة المحكمة ومدعيها العامين، فقد أعلنت واشنطن في أغسطس الماضي، فرض عقوبات على قاضيين فرنسي وكندية واثنين من المدعين في الجنائية الدولية التي تحولت خصما لإدارة دونالد ترامب.

ويضاف ذلك إلى عقوبات أُعلن عنها مطلع يونيو واستهدفت أربعة قضاة آخرين في الجنائية الدولية، وعقوبات على المدعي العام للمحكمة كريم خان في فبراير شباط الماضي لذات الغرض.

وبالتوازي مع الإجراءات ضد قضاة ومدعي المحكمة، تدرس الولايات المتحدة فرض عقوبات، على الجنائية الدولية بأكملها ردا على التحقيق بجرائم حرب إسرائيلية.

وأكد مسؤول أميركي، أن عقوبات على مستوى كيان المحكمة بأكمله قيد النظر، لكنه لم يوضح توقيت الخطوة المحتملة، في حين ذكرت مصادر مطلعة أن قرارا بخصوص هذه العقوبات سيصدر قريبا.

وحسب مصدر دبلوماسي رفيع، فإن طريق العقوبات الفردية قد استُنفد، ويتعلق الأمر الآن بلحظة اتخاذ الخطوة التالية “ضد المحكمة كاملة”.

وقال مصدر إن مسؤولي المحكمة عقدوا اجتماعات داخلية طارئة لمناقشة تأثير العقوبات الشاملة المحتملة، وأن اجتماعات عقدت أيضا لدبلوماسيي الدول الأعضاء في المحكمة. حيث اعتبر إدراج المحكمة نفسها في قائمة العقوبات تصعيدا كبيرا من شأنه أن يعرض عمل المحكمة اليومي للخطر.

ونددت المحكمة الجنائية الدولية بقرار واشنطن، وقالت في بيان: “نرفض بشدة العقوبات الأمريكية الجديدة على عضوين في المحكمة”.

وقالت إن العقوبات الأميركية على قاضين في المحكمة تشكّل “هجوما صارخا على استقلال مؤسسة قضائية محايدة”.

أضافت: “نرفض بشدّة فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على قاضيين في المحكمة”، وأنها ستواصل عملها بالتعاون مع الشركاء لضمان التنفيذ الفعّال والمستقل لولايتها.

وبلغ عدد الدول الأعضاء في المحكمة في شباط من العام الماضي 124 دولة، غير الولايات المتحدة ليست دولة طرف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي أسس الجنائية الدولية في 2002. ففي 6 مايو 2002، سحبت واشنطن، التي سبق أن وقعت على نظام روما، توقيعها رسميًا واعلنت أنها لا تنوي التصديق على الاتفاقية.

وتباينت سياسة الولايات المتحدة إزاء المحكمة اذ وقعت إدارة كلينتون على نظام روما الأساسي في عام 2000، لكنها لم تعرضه على مجلس الشيوخ للتصديق، فيما اعلنت إدارة جورج دبليو بوش، وهي الإدارة الأمريكية وقت تأسيس المحكمة أنها لن تنضم إلى الجنائية الدولية. ثم أعادت إدارة أوباما تأسيس علاقة عمل مع المحكمة بصفة مراقب.

والجنائية الدولية، محكمة دولية دائمة لمقاضاة الأفراد المتهمين بالإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الدولية الخطيرة، مثل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان التي تم تعريفها مؤخرًا، وقد عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤتمرًا دبلوماسيًا لمدة خمسة أسابيع في روما في يونيو 1998 “لإتمام واعتماد اتفاقية بشأن إنشاء محكمة جنائية دولية”. في 17 يوليو 1998، تم اعتماد نظام روما بأغلبية 120 صوتًا مقابل 7، بينه واشنطن وتل ابيب، مع امتناع 21 دولة عن التصويت.

وسبق ووقع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون على نظام روما في عام 2000، ويشكل التوقيع على المعاهدة إقراراً أولياً، ولكن المعاهدة التي يتم التوقيع عليها ولكن لا يتم التصديق عليها لا تكون ملزمة قانوناً. ولا ينشئ التوقيع التزاماً قانونياً ملزماً، ولكنه يثبت نية الدولة في فحص المعاهدة محلياً والنظر في التصديق عليها، ويلزم الدولة بالامتناع عن الأفعال التي من شأنها أن تتعارض مع هدف المعاهدة وغرضها أو تقوضهما.

وفي حينه صرح كلينتون بأنه لن يقدم مشروع القرار إلى مجلس الشيوخ قبل أن تتاح للحكومة الأميركية فرصة تقييم أداء المحكمة، ومع ذلك فقد أيد الدور المقترح للمحكمة الجنائية الدولية وأهدافها:

وتتهم الخارجية الأميركية المحكمة بفرض “اختصاصها المزعوم” على شخصيات أميركية وإسرائيلية، ملوحة بعقوبات وخطوات إضافية ضدها موضحة أن لدى لجنائية الدولية الفرصة لتغيير نهجها بإجراء تغييرات هيكلية حرجة ومناسبة، وأن الولايات المتحدة ستتخذ خطوات إضافية لحماية “موظفينا الشجعان وآخرين” ما دامت المحكمة تستمر في تهديد المصالح الوطنية الأميركية.

وتزامنت الاتهامات والتهديدات أيضا، مع توصل الفريق القانوني للجنائية الدولية الممثل لضحايا الإبادة وتقديم أدلة موثقة تعزز محاكمة إسرائيل في الجنائية الدولية

فقد عاد الفريق القانوني المُكلّف بتمثيل ضحايا الإبادة الجماعية في غزة إلى لاهاي، الخميس الماضي، حاملا ملفات تتعلق بانتهاكات خطيرة ارتكبت بحق الأسرى والصحفيين الفلسطينيين.

وقدّم فريق المحامين أدلة جديدة حول ملف رُفات الأسرى واستهداف الصحفيين، لتضاف إلى سلسلة المساعي القانونية المستمرة لملاحقة إسرائيل في المحكمة الدولية منذ 2008. في خطوة تعكس التحول العميق في مسار العدالة الدولية، حيث لم يعد ملف غزة مجرد قضية إنسانية، بل أصبح اختبارا عالميا لمدى قدرة هذه المحكمة على الصمود أمام الضغوط الخارجية وفرض مبادئ القانون الدولي والإنساني.

فقد قدم الفريق القانوني مذكرتين مرتبطتين بجثث الأسرى الفلسطينيين وغيرهم، والتي وصلت المستشفيات الفلسطينية وكانت آثار التعذيب بادية عليها، كما تعرّضت مجموعة من الأعضاء البشرية للسرقة.

ويشكل إدراج هذا الملف تطورا نوعيا في مسار القضية، إذ تم تقديم أدلة طبية موثقة من طرف أطباء وخبراء الطب الشرعي من خلال تقارير مفصّلة وصور ومقاطع فيديو وشهادات العائلات والخبراء.

وذلك في وقت رفض فيه قضاة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية، طعناً آخر قدمته إسرائيل لوقف تحقيق المحكمة في طريقة إدارتها الحرب على قطاع غزة.

وفي الاستئناف، رفض القضاة إلغاء قرار محكمة أدنى درجة بشأن تحقيق الادعاء في جرائم مزعومة تندرج تحت اختصاصها القضائي ويعني هذا القرار أن التحقيق مستمر، وأن مذكرات الاعتقال، التي صدرت العام الماضي بحق بنيامين نتنياهو وغالانت، لا تزال قائمة.

وتزعم إسرائيل أن المحكمة لا تملك صلاحية التحقيق في جرائم الحرب في غزة، لأن القانون الدولي ينص على منحها الفرصة للتحقيق في هذه الادعاءات بنفسها، غير أن المدعي العام كريم خان قال إن التحقيق الحالي هو امتداد لتحقيق فُتح ضد إسرائيل سنة 2021، حين رفضت إسرائيل الفرصة التي أُتيحت لها للتحقيق في أفعالها.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أعلنت المحكمة أنها أصدرت أوامر اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، قائلة إن هناك أسباباً معقولة لاعتقاد أنهما ارتكبا جرائم حرب في قطاع غزة. وقررت المحكمة أن الاثنين مسؤولان عن جرائم: التجويع كأسلوب من أساليب القتال، والقتل، والاضطهاد، وتوجيه هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين.

وفي نيسان/أبريل الماضي، سافر نتنياهو إلى الولايات المتحدة عبر مسار أطول بنحو 400 كيلومتر لتجنب التحليق فوق دول يُتوقع أن تنفذ أمر الاعتقال بحقه. وفي رحلة أُخرى إلى الولايات المتحدة في أيلول/سبتمبر، مددت طائرة “كنف تسيون” مسار الرحلة بأكثر من 600 كيلومتر بسبب أوامر الاعتقال، وتجاوزت دولاً في أوروبا.

ورغم ان الولايات المتحدة عضواً رئيسياً ومؤثراً في الأمم المتحدة، ومقراً لمجلس الأمن، والجمعية العامة، وتؤمن بأهمية المنظمة في الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، لكنها تسعى لتكييف دورها مع مصالحها وفي سبيل ذلك تواصل فرض عقوبات واتخاذ قرارات للضغط على المنظمة الأممية وابتزازها

فقد سبق واتهمت الولايات المتحدة محكمة العدل الدولية ايضا بالتحيز ضدها أو ضد إسرائيل، ورفضت اختصاصها في بعض القضايا، كما حدث في قضية نيكاراغوا.

كما انسحبت من مجلس حقوق الإنسان (ثم عادت) بسبب انتقاد سياساته تجاه إسرائيل، واتهمته بالتحيز ضدها، وفرضت قيوداً أو انسحبت من بعض وكالات الأمم المتحدة (مثل منظمة الصحة العالمية مؤقتاً) لأسباب تتعلق بالتمويل أو السياسة.

كما اتخذت الولايات المتحدة قرارات أحادية (مثل الانسحاب من الاتفاقات المناخية أو الاتفاق النووي الإيراني) متجاوزةً دور الأمم المتحدة أو معارضةً لإجماعها، وهو ما اعتبره البعض تقويضاً للمنظمة.

وقلصت واشنطن تمويل منظمة الأمم المتحدة للتنمية التجارية ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية ومعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية المدعومة من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. بعد انضمام فلسطين إليها، في خطوة تهدف إلى تعزيز مكانتها الدولية، حيث يمنع التشريع الأمريكي تمويل هيئات أممية أو منظمات تابعة لها تمنح العضوية للفلسطينيين، التي تتمتع بمكانة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة.

وتمنح واشنطن “إسرائيل” غطاءً سياسيًا لتأبيد الوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومواصلة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة باستخدام روتيني حق النقض (الفيتو) ضد القرارات التي تنتقد إسرائيل، ما ساهم في إضعاف بل وتقويض نزاهة الأمم المتحدة، وحال دون تمكنها من حل أهم النزاعات الدولية،

سُجّلت عشرات حالات رفض التأشيرات لممثلي دول وكيانات معترف بها أمميا على مدى العقود المنصرمة من قبل الولايات المتحدة، والتي عُهد لها باستضافة مقر الأمم المتحدة في نيويورك عام 1947، مما منحها نوعا من التحكم المباشر في وصول ممثلي الدول إلى المنصة الدبلوماسية الأهم عالميا. وكان آخرها إلغاء تأشيرات الرئيس محمود عباس والوفد الفلسطيني المرافق قبيل الدورة الجديدة للجمعية العامة.

ورغم وضوح النصوص الملزمة في اتفاقية مقر الأمم المتحدة والتي تُؤكد حق الدول في حرية دخول الأراضي الأميركية لأغراض أممية، فإن الولايات المتحدة تستند إلى ثغرات قانونية في تشريعاتها الفدرالية لحجب تأشيرات الدخول، ويثير هذا المسلك الأميركي تساؤلات مستحقة عن الدوافع في ظل انتقادات دولية تتهم واشنطن بالانتقائية في تطبيق المعايير المتبناة رسميا لديها.

وفي تجلٍّ جديد لانحيازها المعلن إلى “إسرائيل”، واشنطن انسحابها من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ في 31 كانون أول/ديسمبر 2026، استنادًا إلى المادة الثانية (6) من دستور المنظمة.

وتشن الإدارة الامريكية حرب شعواء على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” تمثل في تعليق التمويل تمهيدا لوقفه تماما في مسعى ينسجم مع جهود حكومة نتنياهو لتصفية الأونروا باعتبارها الشاهد على النكبة وعلى قضية اللاجئين وحق العودة.

ورغم التبريرات الرسمية بان هذه المنظمات والهيئات تتبنى أجندات تتعارض مع مصالح واشنطن وتل ابيب ومع سياسة “أمريكا أولاً”، إلا أن الخلفية للقرارات تكشف مضمونها الحقيقي: وهو رفض الولايات المتحدة للمواقف المُندّدة بجرائم الاحتلال الإسرائيلي، وسياستها وتنكرها لحقوق الشعب الفلسطيني بما يمكن حليفتها من تحقيق مخططاتها التوسعية في المنطقة

ويرى الباحثون أن إجراءات الولايات المتحدة ضد الأمم المتحدة ومنظماتها والهيئات الدولية تعكس انسجامًا واضحًا مع مواقفها الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، وتؤكد أن “السياسة الخارجية الأمريكية متماهية مع الاحتلال الإسرائيلي، وأن الخلافات بين الطرفين تكتيكي، ولا يمسّ جوهر التحالف الاستراتيجي القائم بين ترامب ونتنياهو.

زر الذهاب إلى الأعلى