أقلام وآراء

ماذا يعني الحديث عن هدنة طويلة الأمد وتجميد سلاح حماس؟

 

بقلم: د أحمد مجدلاني

سطع مؤخراً نجم خالد مشعل، الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس ورئيس مكتبها السياسي في الخارج، بعد غياب طويل عن المشهد القيادي للحركة استمر سنوات، حيث جاءت عودته في لحظة انتقالية معقّدة، أعقبت استشهاد هنية والسنوار، وتشكيل لجنة مؤقتة لإدارة شؤون الحركة، وهو ما يعكس عمق الأزمة البنيوية التي تواجهها حماس بعد النتائج الكارثية ليوم “الطوفان”، الذي جرف معه مكاسب ومنجزات شعبنا، لا في قطاع غزة فقط بسكانه وبنيته التحتية، وأعاد القطاع عقوداً إلى الوراء لا يقل عن خمسين عاماً، ووضع القضية الفلسطينية برمتها أمام تحديات وجود وبقاء غير مسبوقة، رغم ما تحقق في المقابل من مكاسب سياسية ودبلوماسية بفعل السياسة الواقعية والعقلانية التي انتهجتها القيادة الفلسطينية.

ولا يبدو أن عودة مشعل المكثفة إلى وسائل الإعلام ترتبط فقط بالتحديات التي تواجه حركة حماس في بقائها في الحكم بقطاع غزة ومستقبل سلاحها، وربما وجودها السياسي ذاته، باعتبارها حركة عرّفت نفسها منذ انطلاقتها كحركة مقاومة، وسعت إلى تقديم نفسها بديلاً أو إطاراً موازياً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومع فشل تحقيق هذه الأهداف، يتقدم خالد مشعل اليوم في محاولة لالتقاط ما يمكن إنقاذه من نفوذ ودور.

وقد تجد هذه العودة الإعلامية تفسيرها أيضاً في احتدام التنافس على الموقع الأول في قيادة الحركة، في ظل مؤشرات واضحة على أن صيغة القيادة الجماعية الحالية غير قابلة للاستمرار طويلاً، خاصة مع تصاعد الصراع بين الأجنحة، وفقاً لارتباطاتها الإقليمية والدولية المتباينة.

إن تصريحات مشعل المتعددة والمثيرة للجدل تحمل رسائل واضحة لأطراف إقليمية ودولية، وتأتي في سياق محاولة لاستعادة دور التيار “الإخواني” داخل الحركة، المعبّر عن الإسلام السياسي الوسطي، في مقابل التيار الآخر الذي مثّلته قيادات سابقة وحالية قريبة من النظام الإيراني، غير أن هذه التصريحات تتجاهل حقيقة أن الاتفاق الذي وقّعته الحركة عبر الوسطاء في شرم الشيخ قام على قاعدة موافقتها على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعروفة بمحدداتها والتزاماتها الواضحة لكل الأطراف، بما فيها حركة حماس، وخاصة ما يتعلق بـ”اليوم التالي” في قطاع غزة، والذي يعني عملياً خروج حماس من الحكم.

وقد تحولت خطة ترامب لاحقاً إلى قرار صادر عن مجلس الأمن، بسقف أعلى نسبياً فيما يخص متطلبات الشعب الفلسطيني، سواء في ترتيبات المرحلة الانتقالية أو في الترتيبات النهائية للمرحلة الثانية، التي تفتح أفقاً لمسار سياسي يفترض أن ينهي الاحتلال الإسرائيلي ويقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وكما في خطة ترامب، فإن قرار مجلس الأمن رقم 2803 يفرض على حركة حماس، في المرحلتين الانتقالية والنهائية، متطلبات تبدأ بتسليم السلاح ولا تنتهي بتخليها عن حكم قطاع غزة وخروجها من المشهد السياسي، وهنا تأتي محاولة خالد مشعل اجتراح مقاربة تقارن بين وضع حماس وتجربة الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان مطلوباً للولايات المتحدة، ثم جرى العفو عنه واستقبل في البيت الأبيض بحفاوة.

وتقوم هذه المقاربة على إيحاء مفاده أن حماس ليست مصنّفة كمنظمة إرهابية، في إشارة إلى ماضي الرئيس الشرع، بدءاً من تنظيم “القاعدة” ثم “النصرة” ولاحقاً “أحرار الشام”، مقابل تقديم حماس نفسها كامتداد لحركة الإخوان المسلمين، كتيار إسلام سياسي وسطي عمل، وفق هذا المنطق، لعقود بما يخدم المصالح الأمريكية.

غير أن هذه المقاربة تفتقر، أولاً، إلى الواقعية السياسية، إذ يتجه الرئيس ترامب نفسه إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين العالمية كمنظمة إرهابية، وفرض حظر على التعامل معها، وقد أصدر بالفعل مراسيم حدّدت آليات التعامل مع الجماعة في عدد من البلدان، وبدأت بعض الولايات الأمريكية باتخاذ إجراءات لحظر الإخوان، وكذلك منظمة “كير” باعتبارها ذراعاً اجتماعياً وسياسياً لها.

ثانياً، لا وجه للمقارنة بين الحالة السورية، بما تمثله من أهمية جيوسياسية تخدم الاستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط الجديد، وبين نظام جاء منتصراً على نظام ديكتاتوري معزول دولياً، وبين حالة قطاع غزة، الذي لا يشكل أي أهمية استراتيجية للمشروع الأمريكي، في ظل نظام حكم لحركة حماس كان قد حظي برعاية أمريكية غير مباشرة ودعم مالي من دول عربية خليجية، باعترافها العلني، وبموافقة نتنياهو، لتنفيذ وظيفة واضحة تمثلت في قطع الطريق على العملية السياسية وإجهاض قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

ثالثاً، إن العالم والمنطقة والقضية الفلسطينية لم تعد كما كانت قبل مغامرة السابع من أكتوبر، فقد تغيّرت الرؤى لإحلال السلام، وتبدّلت أدوار القوى الدولية والإقليمية وتحالفاتها، وأصبح النظام السوري الجديد جزءاً من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وخرج من دائرة النفوذ الإيراني، ما أنهى عملياً ما كان يعرف بـ “وحدة الساحات” لقوى المقاومة والممانعة، التي شكّلت حماس وحزب الله والحوثيون جزءاً منها.

رابعاً، يحظى نظام دمشق اليوم بتأييد ودعم عربي وإقليمي ودولي، ونجح في تفكيك منظومة العقوبات المفروضة على سوريا، في حين أن سلطة حماس غير الشرعية لا تحظى بأي دعم عربي أو إقليمي أو دولي يذكر، باستثناء بلدين معروفين يؤدي كل منهما دوراً وظيفياً في احتضان الحركة حتى اللحظة.

خامساً وأخيراً، هناك فرق جوهري بين ما يطالب به مشعل من دور لتنظيم يشكّل بحد ذاته إشكالية سياسية، وبين ما يطالب به الرئيس محمود عباس، بصفته رئيساً للشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية، لضمان أمن الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

إن حماس، بقيادتها القديمة – الجديدة التي تطل عبر خالد مشعل، لا تملك رصيداً سياسياً حقيقياً، ويبدو واضحاً أنها لم تستخلص دروس الحاضر والماضي القريب، ولم تقرأ المشهد السياسي المتشكل بدقة، حيث لا مكان لها فيه إلا إذا أعادت إنتاج دورها الوظيفي في خدمة الأجندة الأمريكية – الإسرائيلية، عبر الحفاظ على سلطتها على ما تبقى من نحو 40% من مساحة قطاع غزة بعد تآكل “الخط الأصفر”، وتكريس فصل القطاع عن الضفة، وهو الخيار المفضل إسرائيلياً وأمريكياً والأقل كلفة لهما.

إن استخلاص الدرس الأول والأخير من التجربة المريرة لحركة حماس، التي دفع شعبنا ثمناً باهظاً لمغامراتها، من انقلاب 2007 على الشرعية الوطنية وصولاً إلى “طوفان النكبة”، يفرض، إن كانت تملك قراراً مستقلاً، إجراء مراجعة سياسية نقدية صارمة وجدية لبرنامجها السياسي وأشكال وأساليب عملها، والالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي والتزاماتها، وبالشرعية الدولية والقانون الدولي، والتوافق الوطني على الشكل النضالي الأنسب، وفي مقدمته المقاومة الشعبية.

هذا الخيار هو الطريق الأقصر والأسلم أمام حماس إذا أرادت أن تكون جزءاً من الحركة الوطنية والشرعية الفلسطينية، ولا خيار آخر أمامها سوى الانخراط في هذا المسار، أو الاستمرار في أداء دور وظيفي يخدم فصل غزة وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى