السودان… صراع النفوذ المستمر


السودان… صراع النفوذ المستمر.. هل يتحول إلى ساحة صراع دولية
بقلم: المحامي طاهر مرايطه
العوامل المتجذرة في الصراع في أبريل ٢٠٢٣، حين تصاعد الخلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع حول دمجهما في جيش موحد ضمن العملية الانتقالية، اندلعت أولى الاشتباكات. سرعان ما خرج النزاع عن السيطرة، لتشتعل معارك في الخرطوم وتمتد إلى ولايات دارفور وكردفان والجزيرة، مخلفةً آلاف القتلى وملايين النازحين.
يُكثّف الجيش، تحت قيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، جهوده لاستعادة سيادة الدولة وتوحيد القوات المسلحة؛ وفي المقابل، يَصُدّق قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» على أن قواته تُعد شريكًا شرعيًا في الحكم، ويُطالب بالاعتراف بها كعنصرٍ مستقلٍ في المعادلة السياسية.
الهدنة المطروحة في الأشهر الأخيرة، توصلت الولايات المتحدة إلى جانب السعودية ومصر والإمارات إلى مبادرة لوقف القتال لمدة ثلاثة أشهر، ساعيةً إلى فتح الممرات الإنسانية وتهيئة الأجواء اللازمة لانطلاق عملية سياسية شاملة.
رغم إعلان قوات الدعم السريع عن موافقتها الأولية على الهدنة، إلا أن الجيش وضع شروطًا تشمل دمج قوات الدعم السريع ضمن الجيش وتسليم بعض الأسلحة، مما يجعل تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيدًا.
من الناحية الإقليمية والدولية ما عاد الصراع في السودان يقتصر على شأنٍ داخلي فقط؛ بل أصبح يشمل أبعادًا استراتيجية وإنسانية تتعلق بالسيطرة على الموارد والمناطق الحيوية، لا سيما تلك المطلة على البحر الأحمر والغنية بالمعادن مثل الذهب.
إن التعقيد المتأصل في هذه المعادلة قد يجعل السودان ساحةً محتملة لتصعيد النزاع، ويهدد بأن يتحول الصراع إلى مواجهة طويلة الأمد، مشابهة لما شهدته بعض الدول الأخرى في المنطقة، مع استمرار المخاطر على المدنيين والممتلكات والبنية التحتية.
المأساة الإنسانية تتفاقم بوتيرة مقلقةُ، أفصحت تقارير الأمم المتحدة عن أن أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية قد ارتقت إلى أكثر من ثلاثين مليونًا، بينما تُنذر المنظمات الإغاثية بخطر وشيك من المجاعة وانهيار حاد في منظومات الصحة والتعليم.
تحولت العواصم الضخمة إلى بقايا مهدّمة ، ويكافح ملايين المدنيين للعيش في أوضاع قاسية ، سواء داخل حدود الوطن أو في المهجر.
تسعى روسيا إلى إرساء وجود بحري في بورتسودان وتوسيع نفوذها عبر صفقات الذهب والأسلحة.
المستقبل غير المعلوم يظهر أن صراع السودان وعليه قد يظل مستمراً ما لم تتدخل قوى دولية بحزم ويتحد الشعب السوداني لإيقاف تدفق الدماء. يمتلك الجانبان موارد تمويل وتسليح كافية، مما يفتح المجال لاستمرار القتال، وربما يتحول تدريجياً إلى صراع نفوذ معقّد يضم قوى فاعلة داخلية وإقليمية وعالمية في آن واحد.
يبقى الأمل معلقًا على أن تتغلب إرادة السلام على قساوة منطق السلاح، وأن ينجح السودانيون، بدعم المجتمع الدولي، في إنقاذ وطنهم من الانهيار الكامل.
اليوم يقف السودان على مفترق طرق تاريخي؛ إما أن يعلو صوت العقل والحوار، أو يغرق في دوامة صراع مطول تحوّله إلى ساحة تنافس دولي لا يعلو فيها أحد ولا يُهزم أحد سوى الشعب السوداني.