أقلام وآراء

غزة بين مشاريع التقسيم ومؤامرة الفصل الجديد

 

بقلم: د.أحمد مجدلاني

أما وقد شارفنا على انتهاء المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، وانصبت الجهود لضمان وقف الحرب نهائياً، فإن الإصرار الدولي، وخاصة الأميركي، يتجلى بوضوح في تواصل الجسر الجوي المحمّل بالمسؤولين الأميركيين، في محاولة لقطع الطريق على أي خطوات قد يقدم عليها نتنياهو لعرقلة تنفيذ خطة ترامب، حفاظاً على ائتلافه الحكومي الذي سبب له حرجاً شديداً مع نائب الرئيس الأميركي فانس، الذي اعتبر تصويت الكنيست على فرض السيادة الإسرائيلية إهانة شخصية له، فضلاً عن التحذيرات والتهديدات التي أطلقها الرئيس ترامب مباشرة في مقابلته مع صحيفة التايم الأميركية.

كل مؤشرات الحراك السياسي، بما في ذلك تشكيل مركز التنسيق المدني – العسكري في كريات غات على حدود القطاع وتعيين مسؤولين عسكري ومدني لإدارة شؤون قطاع غزة، بمشاركة دولية وعربية ضمن قوام القوات المتواجدة هناك، تؤكد أن الخطوات للانتقال إلى المرحلة الثانية تجري التحضير لها بوتيرة متسارعة، مع اقتراب حماس من تسليم ما تبقّى من جثامين المحتجزين لديها، وإغلاق المرحلة الأولى بما يسدّ ذرائع نتنياهو لفتح معبر رفح.

وبصرف النظر عن المعركة الجارية الآن حول ترتيبات اليوم التالي، وخصوصاً المحاولات الرامية إلى فرض وصاية دولية على قطاع غزة انطلاقاً من تقسيمه شرقيّاً وغربيّاً على امتداد “الخط الأصفر” — على غرار تقسيم برلين الشرقية والغربية بعد الحرب العالمية الثانية — فإن ما يطبخ على نارٍ هادئة يهدف إلى فرض واقع جديد، لا يقتصر على التقسيم الجغرافي فحسب، بل يمتد إلى فصل قطاع غزة عن سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ومصادرة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ليس في غزة وحدها، بل في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.

إن الرئيس ترامب ووسائل إعلامه، وكل المتعاملين مع خطته، يروّجون بأن “السلام في فلسطين في طريقه إلى التحقق”، وكأن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي قد بدأ وانتهى بحرب السابع من أكتوبر 2023 في قطاع غزة، بينما لا يذكر الاحتلال في الضفة الغربية ولا محاولاته لفرض السيادة عليها تدريجيا عبر التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، وهكذا يجري الحديث عن “سلام” منقوص منفصل عن الواقع الاستعماري في باقي الأرض الفلسطينية.

أما مسألة “حل الدولتين” المتفق عليه دولياً، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، فهي مؤجلة رغم الموقف الأميركي الحازم من إجراءات نتنياهو وحكومته لفرض السيادة على الضفة، لا بسبب الإيمان بحل الدولتين بوصفه ضامناً للأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، بل لأن الرئيس ترامب وعد الدول العربية بعدم ضم الضفة الغربية، تمهيداً لاستئناف مسار “الاتفاقيات الإبراهيمية” أو ما يسمى بـ”الحل الإقليمي”، من دون إنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران 1967.

أما أولئك الذين يتساوقون اليوم مع المطلب الأميركي – الإسرائيلي بعدم إشراك السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية في إدارة غزة في اليوم التالي، ويسعون لإقصاء لجان الإسناد المجتمعي عن الحكومة الفلسطينية، فإنهم شركاء — من حيث يعلمون أو لا يعلمون — في مشروع فصل غزة عن الضفة وتقسيم القطاع تحت المظلة الأمنية الأميركية – الإسرائيلية وبمشاركة دولية، وربما مع بقاء سلطة الأمر الواقع لحركة حماس التي نالت الضوء الأخضر الأميركي مسبقاً لإدارة “المستطيل الأصفر” تحت شعار فرض الأمن، تمهيداً لتحويل ما تبقى من غزة إلى مشروع استثماري يروَّج له بوصفه “ريفييرا الشرق الأوسط”.

إن تعويم القضية الفلسطينية وتقديمها للمجتمع الدولي على أن “الكيان الفلسطيني قد أُقيم في غزة” كنتاج لعملية السلام التي أطلقها الرئيس ترامب، يمثل أخطر أشكال التزييف السياسي والتاريخي، لأنه يجري خارج إطار الشرعية الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

ولكل الغافلين والباحثين عن دور خارج الشرعية الوطنية الفلسطينية، أو الساعين لتأسيس مسارات موازية أو بديلة لها تحت شعارات لفظية زائفة، نقول: إن المساس بوحدة الأرض والشعب والنظام السياسي والدولة الفلسطينية التي تمثلها السلطة الوطنية الشرعية بموجب القانون الدولي، لن يمرّ دون حساب، فكل من ينخرط في مشروع الفصل السياسي والجغرافي والسكاني سيكون أول ضحاياه، ولن تحميهم امتداداتهم الإقليمية ولا مرجعياتهم السلفية من غضب شعبهم وقواه الوطنية، وعليهم أن يستذكروا جيداً دروس ثورة 1936، ومآلات الحركة الوطنية الفلسطينية عشية النكبة عام 1948، حين ضاعت البوصلة، ودفعت فلسطين أثمان الانقسام والرهانات الخاطئة.

نضال الشعب

 

زر الذهاب إلى الأعلى