تجَّار القتل يحكمون العالم


تجَّار القتل يحكمون العالم.. كيف تتحكم شركات السلاح بالقرار الأمريكي؟
بقلم: خليل حمد
في لحظة اعتراف حقيقية لا تكترث بأرقام القتلى، بل بحسابات البنوك فقط، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: “نجني أموالاً من الحرب في أوكرانيا بسبب بيع عتادنا”. يختصر التصريح كثيراً من القراءات المعقدة في طريقة التعاطي الأمريكية مع شعوب العالم، مع أرواح الملايين من البشر: أهداف مشروعة طالما أن تجارة السلاح مستمرة!
من نتائج قراءة من هذا النوع أن لا يستغرب المرء خبراً يقول: صفقة أسلحة أمريكية إلى “إسرائيل” في ظل حرب الإبادة.. نحو 6 مليارات دولار تعني لواشنطن أكثر من أرواح خمسة وستين ألف شهيد حتى اللحظة في قطاع غزة، تقتلهم يومياً أسلحة أمريكية وغربية تطلقها “إسرائيل” على رؤوس الأبرياء.
في واقع الحال، ليست الأسلحة التي تورِّدها واشنطن إلى أطراف النزاعات المسلحة في العالم من صناعة الشركات الأمريكية الحكومية، فهناك شركات خاصة تتولى صناعة هذه الأسلحة، أبرزها “لوكهيد مارتن”، “رايثيون”، “بوينغ”، و”نورثروب جرومان”. شركات تساهم بشكل كبير في الاقتصاد الأمريكي وتوفر الوظائف. صفقات الأسلحة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات سنوياً تساهم أيضاً في دعم الاقتصاد الأمريكي، من خلال عوائد الضرائب وخلق فرص العمل، وتحمل عبئاً عن الحكومات الأمريكية في ملف البطالة التي تغزو الداخل الأمريكي.
لكن ما تعنيه صفقات الأسلحة بالنسبة للدولة الأمريكية العميقة أبعد من ذلك. مزيد من السلاح يعني مزيداً من النفوذ، والتحالفات، وكثيراً من التبعية. فصناعة السلاح تحتاج أموالاً طائلة قد لا تمتلكها بعض الدول وكثير من الحركات. وإذا امتلكتها دول بعينها فإن القرار السياسي – العسكري الأمريكي يمنع عليها تطوير أسلحتها، كي تبقى بحاجة للسلاح الأمريكي. القرار الأمريكي غير المُعلن، يقول: دولة تابعة تسليحياً لواشنطن عن خدمات الولايات المتحدة أو أن تخفف من هذه التبعية.
في الأمر فوائد أخرى، إذ يضمن بيع الأسلحة لأطراف النزاعات المُشتعلة أن يتم تجريبها “عملياً” بالمجَّان، بل بأجر مدفوع من دماء الأبرياء واقتصادات الدول والحركات التي تشتريها. تستطيع الولايات المتحدة والشركات المُصنِّعة أن تقوم بتحليل الأداء الفعلي لهذه الأسلحة في ميدان المعركة. كل ما سبق يجعل أمريكا مهيمنة على سوق تجارة السلاح في العالم: تحدد الأسعار وتحدد التوجهات حتى في نوعية السلاح الذي يتم تسويقه، ما ينعكس أيضاً على الإنفاق الدفاعي وتوجهات هذا الإنفاق بالنسبة للدول الكبرى التي تريد مواجهة الهيمنة الأمريكية، كروسيا والصين مثلاً.
لكن الحديث الدقيق هنا عن دور “الإدارة” الأمريكية في تجارة الأسلحة يبدو مجافياً للحقيقة. فهذه الشركات تمتاز بشبه انعدام للرقابة على عملها بعد قرارات متتالية من الكونغرس تحد من صلاحيات الوكالة الفيدرالية المكلّفة بالإشراف على الصناعة “مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات”، وتقلص من ميزانيتها، حتى بات أعضاؤها مموَّلين رسمياً من شركات الأسلحة، ناهيك عن تأثير واضح للوبيات صناعة السلاح في تمويل مرشحين بعينهم للكونغرس الأمريكي، بل ومرشحين رئاسيين أمريكيين، عبر اللّوبيات والمنظمات السياسية المرتبطة بصناعة الدفاع.
على سبيل المثال، الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تلقى في انتخابات العام 2016 دعماً قوياً من شركات الدفاع بناء على دعواته الواضحة إلى زيادة الإنفاق العسكري، مقابل دعم أقل لمنافسته هيلاري كلينتون لكونها أقل تطرفاً في موضوع دعم الإنفاق التسليحي. الرئيس السابق جو بايدن نال دعم شركات مثل بوينغ ولوكهيد مارتن بسبب موقفه من التسلح النووي وصفقات الأسلحة الدولية.
كل هذا يحوِّل بعض الرؤساء الأمريكيين إلى وكلاء أعمال لهذه الشركات، ما ينعكس على قراراتهم السياسية، وتعاطيهم مع النزاعات المشتعلة في العالم، وفي أحيان يصل بهم الأمر إلى إشعال فتيل نزاعات لم تكن موجودة على الخارطة العالمية، مستغلين هشاشة الواقع الجيوسياسي الذي فرضه الاستعمار القديم في العالم، كما هو الحال في البلدان التي كانت تستعمرها بريطانيا أو فرنسا أو غيرها. إسقاط الأنظمة السياسية في العالم مؤخراً، وتحديداً في الوطن العربي شكل ويشكل بيئة خصبة لتجارة السلاح والاستغلال في الفوضى لمصلحة الغرب، وبالتالي لمصلحة “إسرائيل”.
في حالة الحرب الأوكرانية مثلاً، تتكفَّل هجمات بطائرات مسيَّرة (مطوَّرة من قبل شركات غربية)، أو بصواريخ بعيدة المدى (غربية الصنع) بنسف أي تقدم في محادثات وقف إطلاق النار. مفارقة لن تبدو غريبة بعد تصريح ترامب بخصوص عائدات بيع العتاد العسكري لأوكرانيا جراء استمرار الحرب، لكنها تطرح شكوكاً حقيقية حول النوايا الفعلية للإدارة الأمريكية التي تتحدث عن “رغبتها بالوصول إلى اتفاق في أوكرانيا وإنهاء النزاع في هذا البلد”، وحول القدرة الحقيقة لأي إدارة أمريكية على اتخاذ قرار بإنهاء حرب، دون بدء أخرى على الأقل. يذكر التاريخ أمثلة عديدة على هذا الربط: انتهت الحرب الفيتنامية بالهزيمة الأمريكية عام 1975، وهو نفس العام الذي بدأت فيه الحروب الأهلية في كمبوديا ولاوس. انتهت حقبة الحرب الباردة عام 1991 بانهيار الاتحاد السوفياتي، وبدأت سلسلة من الحروب الإقليمية من البلقان إلى أفريقيا الوسطى، والصومال. انتهت الحرب الأمريكية المباشرة على العراق عام 2011، وبدأت فيه الأزمة السورية المستمرة.
وبالعودة إلى ما يجري في فلسطين المحتلةً والمنطقة العربية عموماً. يبدو أن فكرة السلام لا تتسق مع الدور الواضح لشركات صناعة الأسلحة في صياغة القرارات الغربية، الأمريكية تحديداً. هذه الحقيقة تجعل القارئ يؤمن أن دعم حروب إسرائيل جزء لا يتجزأ من استراتيجية شركات السلاح العالمية، وأن أي اتفاقات من شأنها أن توقف نزيف الدماء العربية الفلسطينية ليست من مصلحة أصحاب القرار. يفسر هذا الأمر التغاضي الأمريكي الفاضح عن استمرار حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة، واستمرار الجرائم الإسرائيلية في الضفة الغربية، واستخدام مختلف صنوف الأسلحة في الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين ودول المنطقة. يفسر هذا أيضاً بشكل ما اعتداءات إسرائيل غير المفهومة على دول تُعتبر “حليفة” لواشنطن وتل أبيب. ستدفع الدول المُعتدى عليها أموالاً طائلة مقابل أسلحة لمواجهة الاعتداءات، وهذا يزيد في أرباح ونفوذ شركات السلاح.
في الخلاصة، لا يمكن الحديث عن سلام عالمي فعلي طالما أن شركات صناعة السلاح هي التي تحكم القرارات الأمريكية خصوصاً والغربية عموماً. شركات ستخسر أموالها وقدرتها على التحكم والنفوذ إذا ساد الاستقرار في العالم. من مخاطر هذا الأمر أن مستوى النزاعات لن ينخفض مطلقاً، إنه يتناسب طرداً مع تنامي ثروات هذه الشركات وتصاعد قدراتها على إنتاج المزيد. المتغير الوحيد ربما هو الموقع الجغرافي للنزاع المسلح، الذي يتبدَّل وفقاً لرؤية مشتركة بين الاستراتيجية السياسية والإمكانيات التسليحية لدى أصحاب القرار في الغرب. خطورة هذا الأمر تطال الجميع على الكوكب نظراً إلى أن مخلفات الحروب وانبعاث الغازات الناجم عن استخدام الأسلحة من شأنه أن يدمِّر البيئة والغلاف الجوي ويحوِّل الأرض إلى مكان غير قابل لحياة البشر جميعاً. الدراسات العالمية تحذر من أن هذه المخاطر قد لا تكون بعيدة المدىً، وإنَّ تأثيراتها على المناخ بدأت تظهر بشكل واضح، وستطال الجميع، فهل هناك من يتعظ؟!