أقلام وآراء

المؤتمر الدولي للاعتراف بدولة فلسطين

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

عقد المؤتمر الدولي للاعتراف بدولة فلسطين برئاسة مشتركة فرنسية سعودية، وبحشد دولي كبير يعكس الإرادة الدولية الكاسحة التي عبر عنها التصويت بالجمعية العامة للأمم المتحدة على تبني إعلان مؤتمر نيويورك الأول نهاية تموز يوليو الماضي، والتصويت الآخر لإعطاء الحق للرئيس الفلسطيني محمود عباس لإلقاء كلمته عن بعد بسبب سحب تأشيراته والوفد المرافق له من قبل إدارة ترامب.

التصويت الكاسح على موضوعين مختلفين يظهر بوضوح لا لبس فيه مدى عزلة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، لكن التصويت الثاني الذي عارضت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل مشاركة الرئيس محمود عباس عن بعد، مع اربع دول مجهرية، فعلاوة على انتهاك الولايات المتحدة لاتفاقية المقر والتي لا يحق لها منع أي وفد من البلدان الأعضاء من الوصول للأمم المتحدة ، فإن إدارة ترامب وإمعانا في موقفها المنحاز مع إسرائيل لم تكتف بارتكاب ذلك الانتهاك بل عمدت لمحاولة إسكات ومنع الصوت الفلسطيني من الحديث من على منبر الأمم المتحدة لمخاطبة بلدان العالم وحثهم على التمسك بميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الذي يبنى عليه النظام الدولي الذي تنتهكه الولايات المتحدة يوميا وتتعامل معه بمكيالين، وازدواجية معايير لا معني ولا تفسير لها سوى الشراكة مع نظام الميز العنصري والقتل والإبادة الجماعية في إسرائيل، وهو ما يعيدنا لعشيه الوضع الذي كان عليه نظام الفصل العنصري البائد في جنوب أفريقيا مطلع تسعينات القرن الماضي الذي انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بتوفير الغطاء السياسي والدبلوماسي والعسكري للنظام البائد في ذلك الوقت وكما تفعل الان مع إسرائيل .

وقبل إنعقاد المؤتمر أعلنت عشرة دول عزمها الإعتراف بدولة فلسطيني ومنها دول أوروبية وازنة في مقدمتها بريطانيا وفرنسا، وبلجيكا، والبرتغال الى جانب كلا من أستراليا وكندا، هذه الموجة من الأعترافات من شأنها تعزيز مكانة دولة فلسطين وشرعيتها بالأمم المتحدة ومنظماتها الدولية، وتقربنا من الاعتراف الكامل بدولة فلسطين، علاوة على انها تشكل حماية لحل الدولتين المتفق عليه دوليا على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

يوم الثاني والعشرين من نوفمبر ينبغي اعتباره يوما تاريخيا مميزا من نضال شعبنا وهو يحقق هذه الإنجازات والمكاسب السياسية والدبلوماسية بفعل السياسة الواقعية والحكيمة التي تتمسك بها القيادة الفلسطينية وفي مقدمتها الرئيس محمود عباس.

لكننا ونحن نحتفل بهذا الإنجاز السياسي الكبير علينا قراءة الوضع الميداني، وما هي خطواتنا لتعزيز وتثمير هذه المكاسب والإنجازات السياسية، مع التقدير لما قد تقدم عليه حكومة نتنياهو المتطرفة وقد بدأت بالفعل تتضح صورة إجراءاتها على الأرض بإحكام العزل والإغلاق ما بين القرى والمدن الفلسطينية، الى الضم الصامت بما يسمى مناطق التماس لقرى الجيب (حي الخلالية) ، النبي صامويل وبيت إكسا، وفرض تصاريح مسبقة على سكان هذه المناطق.

الخطوة الأختبارية التي اتخذت يوم السبت سيتبعها خطوات أكثر بعدا وعمقا اذا ما أخذنا بعين الاعتبار تصريحات كلا من بن غفير وسموترتيش باحتلال الضفة الغربية وضمها وتحويل قرى من رام الله الى ما يشبه مدينة جباليا شمال قطاع غزة .

وربما التقدير الأكثر خطورة هو توقيت لقاء نتنياهو مع ترامب بذات اليوم الذي سيعقد فيه مؤتمر الإعترافات الدولية بدولة فلسطين للرد على نتائج هذا المؤتمر عمليا بخطة لضم المناطق المصنفة (ج ) أو أجزاء كبيرة منها لإفراغ الأعتراف بالدولة الفلسطينية من محتواه السياسي الواقعي، وبصرف النظر عن المواقف المعلنة من قبل ترامب نتنياهو التي هي بمثابة إعلان تحد لإرادة الغالبية العظمى من المجتمع الدولي، فإن حسابات مصالح ترامب بالمنطقة قد تشكل فرملة للذهاب بعيدا مع جنون نتنياهو الذي فقد السيطرة على القيادة كما سائق الحافلة بدون فرامل ويسير بأقصى سرعة للنزول للوادي.

دون أدنى شك، فإن العقبات والمصاعب وفي مقدمتها استمرار سرقة أموال دافع الضرائب الفلسطيني، لإضعاف السلطة وشل قدرات حكومتها على النهوض بالتزاماتها تجاه مواطنيها وموظفي الخدمة العامة، بالتوازي مع عمليات الخنق المتواصل للاقتصاد المحلي الفلسطيني، سيزيد من الأعباء الحياتية، وربما سيولد ردات فعل يسعى الأحتلال لتعميقها لضرب البنية السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وللإعلان عن انهيار السلطة الوطنية ككيانيه سياسية وطنية جامعة تحمل المشروع الوطني الفلسطيني.

هذه التقديرات ليست بعيدة عن صانع القرار السياسي الفلسطيني، وربما لديه ما هو ابعد من ذلك مع حكومة لا كوابح لها، وتستند للدعم اللا محدود من الإدارة الأمريكية التي استخدمت الفيتو للمرة السادسة لوقف حرب الإبادة على شعبنا في قطاع غزة، وتغطي كل الانتهاكات والإجراءات الأحادية الجانب بالضفة الغربية والقدس الشرقية.

نعم، ما بعد 22 سيتمر بالتاريخ الوطني الفلسطيني ليس كما قبله، ليس بفعل التقديرات المتوقعه من قبل حكومة نتنياهو فحسب، وإنما في خطة العمل الجاري بلورتها لتثمير الإنجازات السياسية والدبلوماسية، وربطها مع أجندة الإصلاح بكافة جوانبها، وفي مقدمتها الإصلاح السياسي المبني أولا وقبل كل شيء على تعزيز المسار الديمقراطي، وإجراء الانتخابات العامة بعد وقف الحرب، وإعداد مسودة الدستور المؤقت الذي من وظائفه الأنتقال من السلطة للدولة ، وتجسيد دولة فلسطين على أرض فلسطين بحدودها الدولية المعترف بها دوليا طبقا لقرارات مجلس الآمن 242- 338 – 2234 .

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى