أقلام وآراء

ماذا بعد التصعيد الإسرائيلي الممنهج؟

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

حسناً فعلت حركة حماس بالموافقة على مقترح المبعوث الأمريكي ويتكوف، القديم الجديد، بجهود الوسطاء من الأشقاء العرب، مصر وقطر، وضغوط من الرأي العام الفلسطيني، خصوصاً من مختلف الأوساط المجتمعية في قطاع غزة والضفة الغربية والشتات الفلسطيني، فاستمرار المقتلة لشعبنا في غزة، والوضع الإنساني الذي بلغ حدّ إعلان المجاعة في القطاع، لن يقلب موازين القوى، ولن يفرض على نتنياهو وقف إطلاق النار بشروط حماس.

إنّ الموافقة على مقترح الصفقة، التي لم تتغير عناصرها الرئيسية منذ تعطلت في المرة السابقة، سحبت من يد إسرائيل والإدارة الأمريكية الذريعة القديمة التي حملت حماس مسؤولية التعطيل، وبالتالي فإن موقف كلٍّ من مصر وقطر، باعتبارهما الوسيطين المعتمدين، يسقط أيضاً من يد نتنياهو وشريكه الأمريكي مزاعم أنّ الوسطاء العرب غير قادرين على التأثير على حماس للتعاطي إيجابياً مع الصفقة، فبقدر ما هم وسطاء، فإنّ عليهم أيضاً مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه حقن دماء أشقائهم الفلسطينيين، ووقف سياسة الترحيل والتهجير الممنهجة.

ومع توافر الشروط والمتطلبات التي تقود إلى هدنة الستين يوماً، ما زال نتنياهو يواصل حديثه عن احتلال مدينة غزة، فيما تتعالى الأصوات من مختلف أطراف الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بشأن تدمير ما تبقى من المدينة وتسويتها بالأرض كما جرى مع رفح، وتهجير سكانها إلى مناطق في جنوب القطاع تدّعي إسرائيل أنها آمنة، لكنها تواصل في الوقت نفسه مهاجمة خيام النازحين وقصفها بالطائرات والمدفعية والصواريخ.

إنّ القتل من أجل القتل ليس مجرد نزعة يمارسها ضباط وجنود الاحتلال، بل هو استكمال لمخطط التهجير خارج قطاع غزة، المخطط الذي لم يتوقف لحظة واحدة، رغم خفوت الحديث عنه في عهد ترامب وإدارته نتيجة الممانعة القوية التي أبدتها كلٌّ من مصر والأردن والسعودية، فخفوت الحديث لم يكن تراجعاً عن الهدف، وهو التهجير القسري، بل مجرد تأجيل في الإعلان، فيما بقيت الأداة “جيش الاحتلال” يمارس القتل المباشر بالسلاح أو بالمجاعة والعطش لمئات الآلاف من المدنيين، ضحايا مشاريع إقليمية ودولية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ورغم التردد الظاهر في موقف نتنياهو إزاء الرد العربي على صفقة وقف إطلاق النار، ورغم الموقف الدولي المتصاعد الرافض لاحتلال غزة، بما في ذلك ردود الأفعال من الدول والمنظمات الإنسانية والحقوقية تجاه الوضع الإنساني الكارثي في القطاع، فإنّ نتنياهو، بدعم مكشوف من ترامب، يواصل الدفع باتجاه اجتياح غزة باعتباره السبيل الوحيد لتحرير الرهائن، لكنه يواصل التلاعب بالكلمات والمواقف، تارةً لاسترضاء حلفائه والتخفيف من ردود أفعالهم، وتارةً أخرى لقياس ردود الفعل الدولية والعربية، قبل العودة إلى الحديث مجدداً عن صفقة شاملة لوقف الحرب مقابل إطلاق سراح الرهائن والجثامين.

الضوء الأخضر الأمريكي لاجتياح غزة أصبح واضحاً تماماً، وهو ليس مجرد أداة ضغط سياسي على حماس وحلفائها، بل استراتيجية لتهجير سكان القطاع وإفراغه تمهيداً لمشروع استيطاني أمريكي – إسرائيلي لاحق.

السؤال المهم الآن: هل يكفي تحليل المعطيات وفهم ما يريده أعداء الحق الفلسطيني لمواجهة التحديات الوجودية التي تواجه شعبنا في غزة والضفة، خصوصاً مع إعادة إحياء مشروع E1 الذي يقسّم الضفة إلى شطرين ويمنع عملياً قيام دولة فلسطينية مترابطة، ناهيك عن فصل القطاع عنها؟

إنّ التصعيد الإسرائيلي الممنهج يستهدف اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد: أولاً، فرض وقائع مادية على الأرض في غزة والضفة قبل انعقاد مؤتمر “حل الدولتين” على المستوى الرئاسي بالرئاسة السعودية – الفرنسية المشتركة، المزمع عقده في نيويورك في 22 الشهر القادم، والذي يتوقع أن تعترف فيه دول أوروبية وازنة وأخرى من مختلف القارات بدولة فلسطين، وهو ما يسعى نتنياهو إلى جعله اعترافاً شكلياً بلا قيمة واقعية، بالتوازي مع مواصلة مخطط التهجير والتطهير العرقي في غزة والضفة عبر ما يسمى حتى الآن بـ”الضم الصامت” تمهيداً لجعله علنياً في مواجهة الإرادة الدولية.

ولمواجهة هذه التحديات، فإنّ على حركة حماس أن تستكمل خطوتها بالموافقة على التهدئة عبر الإعلان عن إنهاء ما تبقى من حكمها في غزة، وتسليم سلاحها إلى الحكومة الشرعية الفلسطينية، والتأكيد على أن المفاوضات شأن وطني فلسطيني من مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية.

إنّ هذا الموقف لا يجرّد نتنياهو وترامب من ذرائعهم لتدمير غزة وتهجير سكانها فحسب، بل يمنح أشقّاءنا في السعودية ومصر والأردن سنداً عملياً للضغط على إدارة ترامب لوقف مشروع تقسيم الضفة تمهيداً لضمّها، كما يساهم في تحويل ملف الرهائن إلى جزء من صفقة شاملة تربط بين وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي من غزة، ليكون “اليوم التالي” يوماً فلسطينياً بامتياز بدعم عربي ودولي.

إنّ القرار المطلوب من قيادة حماس لا يتجاوز تقدير الموقف بدقة وحسم خيارها: إمّا الانحياز إلى مصلحة الشعب ومستقبل القضية، أو الاستمرار في الرهان على صفقة تبقيها فيما تبقى من غزة، وهو أمر لم يعد ممكناً تحقيقه.

 

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى