الفلسطيني في لبنان والمرحلة الجديدة


بقلم: د. فريد إسماعيل
يعيش لبنان اليوم واقعا بالغ التعقيد. فهو وبفعل طبيعة تركيبة نظامه السياسي وازماته الداخلية وارتدادات صراعات المنطقة والاقليم عليه وعلى الشرائح المجتمعية والطائفية المكونة له، أصبح ساحة مستقطبة للتدخلات الخارجية. وهنا لا نتكلم عن تأثيرات نكبة فلسطين عليه واستقباله لإعداد كبيرة من اللاجئين من أبناء شعبنا المنتشرين في العديد من المخيمات وأماكن التجمعات لأن قضية فلسطين هي قضية كل احرار العالم ومنهم شعب لبنان الذي قدم التضحيات الجسام إلى جانب فصائل الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها، وإنما نتكلم عن العديد من القوى العربية والاقليمية والدولية التي استثمرت في الواقع اللبناني خدمة لأجنداتها الخاصة. لذلك فإن تصاعد الصراع بين تلك الاجندات على النفوذ في المنطقة ينعكس وبشكل مباشر على لبنان ويزيد الوضع تعقيدا.
في ظل هذا الواقع الشائك، يخشى الفلسطيني في لبنان من أن يلجأ البعض إلى محاولة الزج به في اشكاليات لا علاقة ولا مصلحة له بها، كما يخشى من احتمالية انزلاق قوى فلسطينية خارج إطار منظمة التحرير نحو هذا النفق المدمر حفاظا على مصالح ذاتية وخدمة لأجندات هجينة.
ومن منطلق ادراكها لحجم المخاطر، عملت القيادة الفلسطينية ولا زالت مع الحكومة اللبنانية على صياغة إطار شامل يعالج أوضاع اللاجئين من أبناء شعبنا في لبنان من خلال تعزيز الحوار اللبناني الفلسطيني واستنادا الى مرجعيات دولية أبرزها الإعلان العالمي لحقوق الانسان (١٩٤٨) واتفاقية جنيف لعام ١٩٥١، وتحقيق توازن بين تحقيق العدالة الإنسانية وضمان الاستقرار اللبناني وممارسة سلطة الدولة اللبنانية على كافة اراضيها، والحفاظ على كرامة الفلسطيني الإنسانية كما جاء في خطاب القسم للرئيس اللبناني. وقد توجت هذه المبادئ في اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني مع رئيس دولة فلسطين خلال زيارته للبنان. فالحوار الموضوعي الهادئ القائم على التعاون والاحترام والتخفيف من معاناة أبناء شعبنا في لبنان والتوصل إلى صيغة تؤمن لهم حقوقهم المدنية والاجتماعية والإنسانية مع الالتزام الكامل بسيادة الدولة اللبنانية واحترام قراراتها يمثل الطريق الأمثل للأمن والاستقرار في المخيمات. ولذلك فإن البدء بجمع السلاح من عدد من المخيمات ووضعه عهدة لدى الجيش اللبناني ليس مسألة استعراضية ولا هروبا إلى الأمام في ظل الوضع الراهن ولا تخليا عن مكامن قوة تضمن الأمن كما يحلو لأصحاب الاجندات الترويج، لأن السلاح حين يفقد هدفه وهويته ووظيفته الوطنية يصبح عبئا ومصدرا للمخاطر. وهذا السلاح الذي يعود في معظمه إلى مرحلة ما قبل الاجتياح الصهيوني للبنان عام ١٩٨٢ فقد وظيفته منذ عقود، لا سيما وان منطقة الجنوب اللبناني، وبالتحديد جنوب الليطاني أصبحت شبه خالية من السلاح بعد التزام حزب الله بتطبيق القرار ١٧٠١ جنوبي النهر. لذلك فإن سحب السلاح من المخيمات ووضعه في عهدة الجيش اللبناني يقضي على إمكانية الزج بالمخيمات كمادة على طاولة الخلافات اللبنانية، لا سيما في ظل الجدل القائم حول تفسير القرار ١٧٠١ وتوابعه. فاللاجئ الفلسطيني في لبنان هو ضيف إلى حين عودته إلى وطنه، وهذا ما أكد عليه الرئيس الفلسطيني خلال اتصال هاتفي مؤخرا بينه وبين رئيس الوزراء اللبناني معبرا عن احترام دولة فلسطين لوحدة لبنان وسلامة اراضيه، ومؤكدا على أهمية ما جاء في البيان الرئاسي الصادر في ٢١ أيار الماضي وبمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية على كامل اراضيها واحترام سيادة لبنان واستقلاله ووحدة اراضيه. كما وأعلنت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أن عملية تسليم السلاح تمثل انتقالا إلى مرحلة جديدة من العلاقات اللبنانية الفلسطينية قائمة على الشراكة والتعاون في صون الاستقرار الوطني واحترام السيادة اللبنانية. كما أشار مسؤولون آخرون إلى استمرار العمل على قضايا أساسية كحق العمل والتملك بما يضمن للاجئ حياة كريمة.
إلا ان هناك اطرافا لا تستطيع أو لا ترغب، الخروج من تحت عباءة الاجندات المحلية والاقليمية، عملت ولا زالت على شن حملة تشهير واسعة لم تسلم منها جبهة النضال الشعبي الفلسطيني والأمين العام الدكتور أحمد مجدلاني، يشتم منها رفضها لتسليم السلاح في تناقض مع ما تؤكده في نفس بياناتها عن تأييدها لمبدأ الخضوع للسيادة اللبنانية. كما تراهن تلك الأطراف على اجتذاب جمهور من أبناء شعبنا اللاجئين في مخيمات لبنان من خلال الاستثمار في مبدأ الحقوق المدنية والإنسانية، مع علمهم بأن موضوع الحقوق وامن واستقرار المخيمات هي في قمة الأولويات لدى منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان كما لدى القيادة الفلسطينية في الداخل .وهنا لا بد من التذكير بجهود فصائلنا في لبنان ونضالها من خلال لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، وهي هيئة حكومية تأسست في ٢٠٠٥ تحت اسم فريق عمل معالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين، تعنى بالسياسات التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين وتعمل كحلقة ربط مركزية بينهم وبين المؤسسات الرسمية والدولية، مركزة على المصالح الوطنية اللبنانية وحقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعيش الكريم حتى عودتهم الى ديارهم.
على هذه الأطراف أن تعي ان الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح خدمة لأجندة ميدع الأطراف الرسمية اللبنانية والخارجية للتعامل مع اللاجئ الفلسطيني في مخيمات لبنان كملف أمني مع ما يرافقه من تداعيات. ومع أهمية ان يحصل اللاجئ على كامل حقوقه المدنية والإنسانية والاجتماعية إلا انه ليس من الحكمة ربط هذه الحقوق بموضوع السلاح لأنها حقوق مستحقة قبل السلاح وخلاله وبعده حقوق رسختها المواثيق الدولية وكرسها الرئيس اللبناني في خطاب القسم عبر تعهده بـ “الحفاظ على كرامة الفلسطينيين في لبنان “، وهو ما يجب ترسيمه على أرض الواقع بإحقاق هذه الحقوق والتخفيف من معاناة أهلنا في لبنان الى حين العودة.