حماس وأخطاؤها القاتلة.. ما بين النظرية والممارسة السياسية


بقلم : د.محمد يوسف الحافي
تختلف حركة حماس عن باقي الحركات والتنظيمات التي شهدها المشروع الوطني الفلسطيني من حيث تكوينها وبناءها الأيديولوجي ومنطلقاتها السياسية. فقد أعلنت حركة حماس عن نفسها عام ١٩٨٧، بعد اندلاع انتفاضة الحجارة بأشهر، كفرع لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي، رغم وجود الإخوان في غزة مسبقًا. إلا أن انطلاق تنظيم علني مقاوم ذي مرجعية دينية إسلامية أعطى زخماً كبيراً للتنظيم العالمي من ناحية؛ ومعه بدأ خطاب ديني يظهر في فعاليات الانتفاضة ويفرض نفسه.
صعدت حماس كفصيلٍ فلسطيني ذي مرجعية دينية يعتمد المقاومة المسلحة أداةً للتحرير، دون فهمٍ عميقٍ للفارق الكبير بين النظرية والتطبيق، بين العمل العسكري والعمل السياسي ومتطلباته، بين المقاومة المسلحة كحق مشروع للفلسطينيين وتهمة الإرهاب، وبين المشروع الوطني والمشروع الإسلامي وارتباطاته الخارجية. وما بين هذا كله، وقعت حماس في أخطاءٍ قاتلةٍ، ضمن تسلسلٍ منطقيٍ من الأحداث تطورت لصالح الأهداف الاستراتيجية للمشروع الإمبريالي الصهيوني المتطرّف.
لسنا هنا بصدد مراجعة الأفكار والمبادئ التي قامت عليها حركة حماس، لكن هذه المقالة تتناول الأخطاء الاستراتيجية والسياسية التي وقعت فيها الحركة وأوصلتها ومعها الشعب الفلسطيني إلى هذا المأزق الوجودي، وما يرتبط به من اختراقات إسرائيلية للساحات العربية في حالةٍ من التعقيد قد تُفرز ما سماه نتنياهو (تغيير وجه الشرق الأوسط) وذلك من خلال النقاط التالية، مع محاولة مراعاة التسلسل التاريخي:
أولاً: النشأة والارتباطات الخارجية:
أوضحت المادة الثانية من ميثاق حركة حماس الصادر عام ١٩٨٨ أن الحركة ذراعٌ/فرعٌ لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي، وبالتالي أوجدت نفسها خارج شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، في تناقضٍ مع بعدها الوطني. كما دمجت نفسها فيما عُرف بمحور المقاومة وعزّزت علاقاتها مع إيران سعيًا للحصول على الدعم العسكري، وتقاربت مع قطر التي نصحتها بالدخول في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام ٢٠٠٦، للحصول على الدعم المالي، دون التفكير في ثمن هذا الدعم. والجميع يعرف أن إيران وظفت حركات المقاومة المحسوبة عليها في الإقليم ودعمتها في سبيل تحقيق مشروعها القومي ومصالحها الاستراتيجية، وخصوصًا المشروع النووي. وحلفاء حماس الآخرين (قطر وتركيا) استخدموا علاقاتهم الجيدة مع حماس لتعزيز دورهم في المنطقة أو لشراء دورٍ مهمٍّ يقدّمون به أنفسهم كدول فاعلة ومؤثرة في الإقليم.
عارضت حماس مشروع التسوية السياسية وهاجمته في مناكفةٍ واضحةٍ لمشروع منظمة التحرير بقيادة فتح، التي دخلت مسار التسوية ونالت اعترافات دولية. ولم تعطِ حركة حماس الفرصة الكافية لتبلور مسار التسوية في ظروفٍ صحية، بل صعّدت عملياتها التفجيرية، وبالتالي منحت اليمين الإسرائيلي المتطرّف، والمعارض أصلاً لاتفاق أوسلو، مبررًا لإفشال المفاوضات والتنصل من التزامات الاتفاق كرد فعلٍ على العنف الفلسطيني.
ثانيًا: المراهنة على القوة العسكرية وتضخيم الذات:
لا يمكن إنكار حقّ الشعب الفلسطيني في مقاومة احتلال استيطاني عنصري؛ فقد نشأت حركة حماس في مجتمعٍ محتل يعشق بطبيعته الملثم والمسلح كرمزٍ لمقاومة المحتل، وقد وظفت حماس خطابها الإسلامي المقاوم في مواجهة التيارات الفلسطينية الأخرى (المدني واليساري والعلماني). صعّدت الحركة من عملياتها العسكرية وبالغت في تصوير قوتها العسكرية، خصوصًا بعد سيطرتها على قطاع غزة، وأصبحت توظف جلَّ مقدرات غزة لتطوير إمكاناتها، لدرجة اعتقدت أنها قادرة على ردع إسرائيل عسكريًا، في حين صوّرت إسرائيل ذلك كهجمات صاروخية، وبالتالي ربطت بين حماس والمقاومة الفلسطينية عمومًا بالإرهاب.
منذ انسحاب إسرائيل من جانب واحد من قطاع غزة عام ٢٠٠٥، ظهرت ملامح مخطط اليمين الإسرائيلي الهادف إلى ترسيخ الانقسام الفلسطيني على الأرض وتعميقه. ولم تعارض إسرائيل والولايات المتحدة مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية عام ٢٠٠٦. تعزز الانقسام بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية؛ وعليه نفّذت حماس انقلابًا على السلطة وسيطرت على قطاع غزة بالقوة المسلحة، ولم تتدخل إسرائيل لمنعها معتبرةً ذلك شأنًا فلسطينيًا وأخطأت حماس أيضًا حين اعتقدت أن إسرائيل مجبرة على إدخال المساعدات القطرية، وخصوصًا المنحة المالية الشهرية بمبلغ ٣٠ مليون دولار، وهي تعرف جزءًا من الأموال كان يصل إلى الجناح العسكري.
ثالثًا: المزاوجة بين الحكم والمقاومة المسلحة ومسعى تحقيق الاعتراف:
وقعت حماس في مأزقٍ حقيقي حين أصرت على المزج بين السلطة التي انبثقت من مشروع التسوية الذي ترفضه حماس أصلًا، وبين كونها تنظيمًا لا يعترف بإسرائيل ويعتمد المقاومة المسلحة أداةً لتحرير كامل فلسطين. وأخطأت حين اعتقدت أن فوزها بالانتخابات التشريعية وسيطرتها على قطاع غزة يوفران لها مقوّمات إقامة دولة كمشروع سياسي (إمارةٍ إسلامية)، فقد توفّر لها الشعب والإقليم الجغرافي وأقامت سلطةٍ وحكومة، بينما أغفلت العنصر الأهم وهو «السيادة»؛ أي امتلاك النظام الحقَّ في اتخاذ القرارات دون تدخل خارجي، وذلك مرتبط بالحصول على الاعتراف والشرعية الدولية التي تعزّز شرعية السلطة الحاكمة. برز مشروع دولة غزة مع وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر عام ٢٠١٢، ولم تدرك حماس حينها أن محاولاتها لن تُحقق لها السيادة أو الاعتراف الدولي.
كذلك أخطأت حماس في فهم طبيعة النظام الدولي ومناطق النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، التي تخضع لهيمنةٍ أمريكيةٍ متجذرة؛ وذهبت تصور نفسها باعتبارها فاعلًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، وطرحت نفسها كتنظيم براغماتي معتدل. ورغم أنها اتخذت قرارًا بوقف العمليات التفجيرية منذ عام ٢٠٠٥ قبيل دخولها الانتخابات، وذلك لنفي تهمة الإرهاب عنها، إلا أن حماس ظلت تُصنّف كتنظيمٍ إرهابيٍ في إسرائيل والولايات المتحدة والعديد من دول العالم، ومنها دول عربية.
أقدمت حماس على فتح قنوات اتصال مع أطرافٍ إقليمية ودولية مختلفة، وحتى أوروبية وأمريكية، سعيًا وراء سراب الحصول على الشرعية الدولية، وأغفلت أن الشرعية مصدرها داخلي (التمثيل السياسي). وأن سيطرتها على المجلس التشريعي وإقليم غزة لا يكفيان للحصول على الاعتراف الدولي طالما ظلّت خارج تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها عربيًا ودوليًا. في المقابل، استمرت في التهرب من استحقاقات المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام، وظلّت تراهن على متغيراتٍ خارجية لإخراجها من أزمتها المزمنة.
رابعًا: خسارة الحاضنة العربية والارتهان للأجندات الخارجية:
أخطأت حماس خطأً استراتيجيًا حين استمرت في المراهنة على الدعم الإخواني والإيراني، وتجاهلت متطلبات الدول العربية التي تمثل الحاضنة الأولية للقضية الفلسطينية. راهنت كثيرًا على وصول الإخوان للحكم في مصر، لكنها خسرت ذلك حين سقط حكم الإخوان في يوليو ٢٠١٣، ودخلت حماس في أزمة مع النظام المصري الجديد.
كما وتّرت وخسرت علاقتها بالنظام السعودي عدة مرات؛ وهو النظام الذي رعى واحتضن أول اتفاق مصالحة وطنية (اتفاق مكة) بين حماس وفتح عام ٢٠٠٧، ثم نكثت حماس الاتفاق وسيطرت على غزة بالقوة المسلحة. وقبل الحرب بأشهر، زار المكتب السياسي لحركة حماس بكامل هيئته الرياض، ولم تستجب لنصائح النظام السعودي ورؤيته لتوحيد الموقف الفلسطيني ومن ثم إدارة الصراع مع إسرائيل وتسوية القضية الفلسطينية. جرت هذه الزيارة في أبريل ٢٠٢٣ برئاسة هنية، بالتزامن مع وجود الرئيس عباس في الرياض، ولم تثمر الزيارة أي تفاهمات أو تقارب مع الرؤية السعودية.
خامسًا: طوفان الاقصى، قفزة للمجهول:
أخطأت حماس التقدير عندما أقدمت على عمليتها العسكرية وراهنَت على افتراضاتٍ عسكرية وأمنية وإنسانية غير صحيحة، ومنها: أن إسرائيل لن تجتاح غزة بريًا، وأنها سترتدع عن ضرب الأنفاق خوفًا على حياة المختطفين لدى حماس. كما راهنت على أن المجازر المروعة اللاإنسانية التي ترتكبها إسرائيل بحقّ المدنيين ستحرّك الرأي العام العالمي إلى درجةٍ تجبر إسرائيل على وقف الحرب وإبرام صفقة تبادل أسرى.
الأخطر أن حماس لم تفكر بعد مغامرتها العسكرية في إدارة فلسطينية-عربية لملف التفاوض، ولم تضع إنجازها العسكري في إطارٍ وطني، بل احتكرت ملف التفاوض معتقدةً أنها ستفرض نفسها على جميع الأطراف وتحقق مكسبًا سياسيًا يُحسب لها وحدها. كذلك أخطأت في مراهنتها على جبهات المساندة من لبنان واليمن وإيران. وتشعّبت قنوات التفاوض مع حماس دون مرجعية فلسطينية-عربية، وهذا أمر سلبي، كذلك أخطأت حماس حين راهنت على فتح قنوات اتصال مع الإدارة الأمريكية معتقدةً أن ذلك سيحسّن موقفها التفاوضي وأن الولايات المتحدة الأمريكية ستشكّل ضامنًا لاتفاق سياسي، رغم أنها تدرك تمامًا أنها شريك مباشر في الحرب.
سادسًا: مبادرة مؤتمر نيويورك واستغلال الموقف الدولي للخروج من الأزمة:
شكّل مؤتمر نيويورك برعاية سعودية-فرنسية ومشاركة دولية واسعة محطة بارزة في إطار التحركات الدولية لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بعد سنوات من التهميش. خرج المؤتمر بإعلان «نيويورك» الذي تبنّته الجمعية العامة للأمم المتحدة كقرار يدعم التسوية السياسية في إطار حل الدولتين، ولم يكتفِ إعلان نيويورك بإدانة حرب الإبادة والاستيطان والتهجير، بل أدان أيضًا هجمات السابع من أكتوبر، ودعا حماس إلى ضرورة إنهاء حكمها في قطاع غزة ونزع سلاحها، ونقل مقاليد الحكم في غزة إلى السلطة الفلسطينية تحت مظلة دولية داعمة، بما يكرّس مبدأ وحدة القرار الفلسطيني.
انتقدت حماس إعلان نيويورك انتقادًا واضحًا معتبرةً أنه يتجاهل جوهر القضية الفلسطينية المتمثل في إنهاء الاحتلال وحق العودة وتقرير المصير. وترى أن إدانتها والمطالبة بنزع سلاحها يوازيان شطبَ حق المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وأن أي تسوية لا تنطلق من الاعتراف بالمقاومة وحقوق الشعب التاريخية إنما تُعيد إنتاج الأزمة. في المقابل، تُبدي الحركة استعدادها للاتفاق على هدنةٍ طويلة الأمد تضمن استمرار وجودها في إدارة غزة عبر تشكيل لجنةٍ إداريةٍ مستقلةٍ خاصةً بقطاع غزة مع إطلاق عمليات إعادة الإعمار.
تكشف هذه المفارقة عن تعقيدات المشهد الفلسطيني الداخلي، فيما تهدف المبادرة السعودية-الفرنسية من موقع مسؤوليتها تجاه القضية الفلسطينية إلى دعم إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وحدة المرجعيات والمؤسسات وتجديد الشرعيات والتمسّك بحل الدولتين. يمثل إعلان نيويورك إحياءً لمسارٍ دوليٍّ ضاغطٍ يعكس أن الرياض تريد لعب دورٍ قيادي في صياغة الحل السياسي، مع إعطاء القضية الفلسطينية ثقلًا إقليميًا ودوليًا متجدّدًا. ويبقى التحدي في نجاح هذا المسار متوقفًا على قدرة الفلسطينيين أنفسهم على صياغة موقفٍ موحّدٍ يستثمر الزخم دون التفريط بحقوقهم الأساسية.
خاتمة
استمرت حماس في المكابرة ومراهناتها الفاشلة، وكانت النتيجة تدمير واحتلال ٩٠٪ من قطاع غزة. وبعد استهداف قيادة حماس في الدوحة واختراق الأمن القومي العربي، في خرقٍ فاضحٍ للقوانين الدولية، بات واجبًا على حماس اللحاق بالموقف الدولي المساند للقضية الفلسطينية ومخرجات مؤتمر نيويورك كمدخلٍ لوقف الحرب وتسوية القضية، خصوصًا بعد تبنّي إعلان نيويورك في الأمم المتحدة بأغلبية ١٤٢ دولة؛ وإلّا فحماس تكون قد اختارت الانتحار الذاتي بعد أن فشلت مراهناتها، بل ساعدت اليمين الصهيوني المتطرّف في استكمال مخططات الضم وفرض السيادة والتهجير.
خروج حماس من المشهد العسكري، وتسليم الأسرى، وحكم غزة ليست أهم من دماء الأطفال الفلسطينيين ومستقبلهم ومستقبل القضية الفلسطينية عندما تضيق الأمور، يجب وقف المكابرة وإعادة القضية للحاضنة وعلى الكل العربي أن يدك أننا لا نواجه اسرائيل فحسب، بل نواجه الأطماع الاستعمارية للإمبريالية الغربية.