“الجدار الحديدي” إعادة سيناريو شارون بعملية “السور الواقي”


بقلم: د. أحمد مجدلاني
في التالي لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، انطلقت ما يسميها الاحتلال بعملية “الجدار الحديدي” في الضفة الغربية، بعد عملية تحضير وتعبئة وتحريض إعلامي من قادة القوى اليمينية والفاشيين الجدد بالائتلاف الحكومي الإسرائيلي، علاوة عن قادة جيش الاحتلال وفي مقدمتهم ما يسمى وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس، الطامح لخلافة نتنياهو في منصب رئاسة حزب الليكود والحكومة.
المبررات والذرائع لإطلاق هذه الحملة وفي مقدمتها ضمان أمن “إسرائيل” من تكرار أحداث السابع من أكتوبر، ووقف التهديد الإيراني المزعوم لم تكن لتقنع مبتدئ حديث العهد بالعمل السياسي، بقدر ما تعكس توجهاً استراتيجياً لدى حكومة نتنياهو باغتنام الفرصة لتقويض وإنهاء السلطة الوطنية الفلسطينية، بالوقت الذي دمرت فيه قطاع غزة، واستنزفت قواه الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، وحولت استمرار الحياة فيه إلى تحدي قد يصعب على الجميع تحمله.
وربما اغتنام الفرصة المواتية التي يعتقدها نتنياهو وشركاءه في الحكم هو انشغال إدارة ترامب الجديدة بالوضع الداخلي خلال الستة أشهر الأولى من توليها لمهامها من أجل ترسيخ نهجها الجديد والقضاء على ما تبقى من إرث الإدارة الديمقراطية، خاصة أن ترامب وفريقه حرص على تبريد الأزمات الدولية المشتعلة قبل دخوله للبيت الأبيض، ولعب فريقه دوراً حاسماً بوقف إطلاق النار والعودة لتطبيق قرار مجلس الأمن 1701 في لبنان، وكذلك التوصل لوقف اطلاق النار في غزة، الذي ما زالت ترافقه المخاوف والشكوك فيما يتعلق باستمرار الالتزام به من قبل نتنياهو لإرضاء المتطرفين من شركاءه للحفاظ على بقاء ائتلافه الحكومي.
وفي سبيل الوصول الى تقويض السلطة الفلسطينية فإن الهدف المعلن هو مكافحة الإرهاب والقضاء على قوة حماس، الأمر الذي يعكس غضب نتنياهو وشركاءه من إنجاز عملية حماية وطن من إنهاء المظاهر المسلحة وكافة أشكال الفلتان الأمني والمليشيات المسلحة في مخيم جنين، الذي لاقى الترحيب من المجتمع الدولي على قدرة السلطة على بسط الأمن وقدرتها على تحمل مسؤولياتها لاحقاً في قطاع غزة.
نتنياهو بهذه العملية المدبرة والسيئة الاعداد والإخراج وهي شبيهة إلى حد كبير مع سيناريو “السور الواقي” لشارون في شباط 2002 الذي حاول من خلالها اسقاط السلطة الوطنية الفلسطينية وانتهت تلك العملية باغتيال الرئيس الرمز ياسر عرفات.
محاولة تكرار هذا السيناريو الآن مع اختلاف المعطيات المحلية والدولية، والإقليمية قد يواجه صعوبات كبيرة بسبب تحول القضية الفلسطينية إلى قضية دولية، وبسبب الاعترافات الدولية بدولة فلسطين التي وصلت إلى 149 دولة، علاوة على تعزيز مركزها القانوني الدولي باكتساب صفة أعلى من مراقب في الأمم المتحدة، إضافة لتحذير الأطراف الإقليمية والدولية وخصوصاً الأشقاء بالمملكة الأردنية الهاشمية من مخاطر تكرار حرب الإبادة الجماعية بالضفة الغربية لأنها ستكون أكثر عنفاً ودموية من قطاع غزة بسبب التداخل الديمغرافي بين المستوطنات والقرى والمدن الفلسطينية، هذا علاوة على مخاطر التطهير العرقي وتداعياته على دول الجوار لما يشكله من تهديد للأمن والسلام الإقليميين بالمنطقة.
يدرك نتنياهو أن الفيتو الذي يحاول فرضه على بسط سلطة الحكومة الفلسطينية على قطاع غزة لا يعني سوى إطالة أمد حالة اللاحرب والسلم في القطاع، وهو لا يعني سوى عودة سيطرة ميلشيات حركة حماس لكن هذه المرة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية وهو الخيار الذي يفضله لكن دونما إعلان، أو قد يكون أحد خياراته الدفع باتجاه صوملة قطاع غزة.
الحملة المسعورة اليوم، أولاً توجه رسالة مغرضة للرأي العام الفلسطيني الرافض للاحتلال والذي يؤيد مقاومته بكافة الأشكال بأن “إسرائيل” تستكمل ما بدأته قوات الأمن الفلسطينية استناداً لاتفاق التنسيق الأمني لإنهاء المقاومة من جنين ومخيمها، وهو يوجه بذلك الادعاء والإيحاء الظاهر والباطن رسالة لتقويض مكانة السلطة والأجهزة الأمنية أمام شعبها وجمهورها، وبالتالي في حال اسقاطه للسلطة لا تجد من يدافع عنها.
والرسالة الثانية للإدارة الأمريكية الجديدة والمجتمع الدولي بأن السلطة وقواتها الأمنية عاجزة عن القيام بحفظ الأمن بالضفة، فكيف ستتسلم الأمن بغزة بعد الحرب التي لم تحقق حكومة نتنياهو ادعاءاتها بالقضاء على حركة حماس وقواتها.
هدف إسقاط السلطة هو إسقاط النظام السياسي الفلسطيني، وضرب المشروع الوطني الفلسطيني، وإنهاءه والقضاء على هدف الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية.
هذا الهدف كان ولا زال الشغل الشاغل للاحتلال، وتتحدد قدرتنا على مواجهة هذا التحدي وإسقاطه، ليس فقط بالركون إلى الشرعية التي تمتلكها المنظمة والسلطة، بل باتخاذ إجراءات عملية ملموسة، تعزز من مكانة الحكومة والسلطة في قطاع غزة في مرحلة الفراغ والانتقال، والاستفادة من الزخم الشعبي المؤيد لعودة السلطة كضامنة للأمن والاستقرار واستعادة الحياة، وكقدرة أيضاً على ممارسة السلطة وحكومتها إدارة الوضع بالضفة رغم كل محاولات الحصار والتفتيت، ومصادرة الأراضي والضم وإطلاق العنان لميلشيات المستوطنين لممارسة العدوان والفاشية وأعمال التخريب والاعتداء على الأرض والانسان.
نعم يتطلب الأمر جرأة سياسية، ووحدة قرار وموقف من القيادة السياسيّة ونواتها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها، كيف ندير الصراع والمواجهة ونرمم الوضع بالمنظمة من جهة أخرى، بإطلاق مبادرة لحوارات ثنائية تدعو لها اللجنة المركزية لحركة فتح مع مكونات وقوى المنظمة السياسيّة والمجتمعيّة، ومن ثم لحوار ما بين هذه المكونات تمهيداً وتأسيساً لحوار وطني شامل على قاعدة ترسيخ هدف الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، والالتزام ببرنامج المنظمة السياسي والتزاماتها القانونية، وبالشرعية الدولية والقانون الدولي بشكل شامل وليس بصورة انتقائية، وبتحديد المقاومة الشعبيّة السلميّة كشكل نضالي يستجيب للظرف الملموس الذي تمر به قضيتنا وشعبنا مع المتغيرات الدولية والإقليمية وتأثيرها على مستقبل شعبنا وقضيتنا.
نضال الشعب