مفاوضات وقف إطلاق نار أم صفقة تبادل أسرى؟!

بقلم: د. محمد الحافي
غالبا ما تظهر تصريحات قيادة حماس وكأنها منفصلة عن الواقع أو منزوعة من سياقها الوطني، ومنها حديث خالد مشعل مؤخراً بأن دمار غزة هو ثمن للتحرير، ولا ندري عن أي تحرير يتحدث طالما انحصرت مطالب حماس بوقف الحرب وضمان استمرار حكمها لغزة بما يعزز الانقسام ويضعف الموقف الفلسطيني.
مؤخراً عادت قنوات الاتصال والمفاوضات بشأن صفقة لتبادل الأسرى تفضي لوقف إطلاق نار دائم، بعد أن قدمت حماس للوسطاء إشارات إيجابية ولينت موقفها بشأن بنود هامة في الصفقة. وعليه سافر رئيس الموساد الإسرائيلي مباشرة للدوحة لأخذ توضيحات لاستفسارات إسرائيل حول رد حماس.
بعد تسعة أشهر من حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة وشعبها وبالتزامن تقريباً مع قرب انتهاء عملية جيش الاحتلال في رفح، حيث يعود الطرفين للتفاوض بعد كل معركة عسكرية تقريباً. ويمكن في هذا الصدد تفنيد موقف الطرفين الإسرائيلي والحمساوي من وراء التوصل لصفقة في هذه المرحلة، وما يهمنا هنا هو المخرج السياسي للصفقة وما بعدها وليس الخوض في بنود الصفقة.
على الجانب الإسرائيلي وظف نتنياهو أحزاب اليمين المتطرف لاستمرار ائتلافه الحاكم وعرقل مراراً التوصل لصفقة واستمر في حرب الإبادة تحت أهداف القضاء على حماس وقدراتها العسكرية والسلطوية، لكنه أصبح يواجه ضغوطاً غير مسبوقة من الداخل والخارج وأصبح متهماً بأنه يتلاعب بأهداف الحرب المعلنة والخفية لأهداف تخدمه سياسياً ومصلحياً. وهذا ما أكده مراراً قيادات إسرائيلية كان آخرها تصريحات عضو مجلس الحرب المستقيل إيزنكوت.
كذلك تزايدت ضغوطات أهالي الأسرى الذين يرون في استمرار الحرب خطراً داهماً على أرواح أبنائهم. وعبرت قيادة الجيش عن قناعتها بعدم القدرة على إنهاء حركة حماس بالكامل وأيضاً بأنه لا يمكن تحرير الأسرى بالعمليات العسكرية، وذلك يدفع باتجاه إنجاز صفقة تدعمها غالبية الطبقة السياسة في إسرائيل، خصوصاُ وأن الصفقة تنهي التصعيد الحاصل من حزب الله وهجمات الحوثيين في ظل عدم رغبة إدارة بايدن نشوب حرب إقليمية قبيل الانتخابات الأمريكية. كذلك فإن إيران أيضاً لا تريد التضحية بحزب الله وقدراته العسكرية، خصوصاً أن التقدم في موقف حماس جاء بعد اجتماع قيادة الحركة بالأمين العام لحزب الله منذ أيام، وهذا ما يدعم فرضية تحقيق اختراق بشأن الصفقة.
إسرائيل تتلاعب بأهداف الحرب لكن خيار التوصل لصفقة تبادل تعيد الزخم لحكومة نتياهو مع الإبقاء على حماس ضعيفة في غزة يعفي إسرائيل من أي التزامات سياسية بشأن عودة السلطة الشرعية لغزة وإطلاق مشروع سياسي شامل كما طالب الرئيس عباس. كما أن الصفقة تمثل انصياعاً إسرائيلياً للرؤية الأمريكية وقرار مجلس الأمن. في المقابل، سوف تروج حماس لانتصار من حيث قدرتها على الصمود وبقائها في حكم غزة، وتعتقد أن تنفيذ تبادل أسرى وإخراج أسرى من السجون الإسرائيلية سيعيد ترميم شعبية حماس التي تآكلت خلال الحرب.
تقودنا الشواهد أن حركة حماس التي انفردت بالمفاوضات خلال الحروب السابقة في غزة (2012- 2014- 2021) تعود لتوافق على ما كانت ترفضة بعد تزايد الضغوط عليها مقابل استمرارها في حكم غزة، بمعنى أن حماس لا تدير المفاوضات في بعدها الوطني وتخضع للابتزاز والضغوط من الوسطاء والولايات المتحدة.
وأعتقد بأن هناك فرصة كبيرة لإنجاز صفقة لحاجة الطرفين لها، فإسرائيل تسعى لإنجاز صفقة تبادل تحرر الأسرى دون أن توقف الحرب خلال المرحلة الأولى، مع بقاء سيطرة أمنية محدودة لإسرائيل، كما أن إبقاء حماس في غزة أقل تكلفة لإسرائيل، حيث أصبحت حماس توافق على صفقة تبادل أسرى قبل الوقف الدائم للحرب والانسحاب الكامل من قطاع غزة. فهل رجحت كفة الحكم عند حماس على كفة المطالب الوطنية بعد كل هذا الدمار وتضحيات شعبنا، كما في كل مرة! ولماذا لا تقدم حماس التنازل لجهة إنجاز مصالحة وطنية تفضي لتجديد النظام السياسي وشرعية مؤسساته، وبالتالي اعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية التي لا يمكن اختزالها في قطاع غزة.
هذا الوضع المعقد والمتشابك سياسيا وميدانيا يعني امكانية خرق الصفقة سواء قبل ابرامها أو في أي من مراحلها. كما يجب أن تدرك حماس أن تضحيات شعبنا وويلات الحرب لا يقابلها سوى استعادة الشعب للسلطة وإعادة اختيار من يمثله ويحكمه سواء عبر انتخابات وطنية أو استفتاء في قطاع غزة.