أقلام وآراء

التباس الموقف ما بين المقاومة المسلحة والتسوية السياسية

 

 

بقلم: د.محمد الحافي

تمثل سياسة “فرق تسد” ركيزة اساسية للفكر الكولينيالي الاستعماري عموما في تعامله مع السكان الاصليين للبلدان المحتلة أو المنوي احتلالها، وعليه تستمر القوة الاستعمارية في زرع وتنمية كل بذور الفرقة والتناقض داخل بنى المجتمع الخاضع للاحتلال. في نموذج فلسطين ركز المشروع الصهيوني مجمل سياساته الاستعمارية على محاربة أي كيانية سياسية للشعب الفلسطيني، وتجزئة الجغرافيا الفلسطينية والسيطرة على الارض بأقل عدد سكان. وقد عبرت الثورة الفلسطينية ١٩٦٥ (المقاومة الفلسطينية) عن نفسها بتبني الكفاح المسلح وسيلة وحيدة لتحرير فلسطين وبدعم من الرئيس جمال عبد الناصر زمن تصاعد الاشتراكية والقومية العربية.

استمرت المؤامرات الامبريالية الغربية بزعامة الولايات المتحدة ضد الكل العربي والفلسطيني، كما ادت عدة متغيرات دولية واقليمية ومحلية لتبلور تيار التسوية السياسية خصوصا بعد انشقاق النظام العربي جراء توقيع السادات اتفاقية كامب ديفد مع اسرائيل عام ١٩٧٨، وبعدها اجتياح بيروت واخراج فصائل المقاومة من لبنان.

افرزت مفاوضات منظمة التحرير غير المباشرة مع الولايات المتحدة اواخر الثمانينيات اعتراف أمريكي بشرعية منظمة التحرير  ونزع صفة الارهاب عنها، مقابل نبذ العنف وقبول منظمة التحرير بقراري مجلس الأمن ٢٤٢ و٣٣٨ اللذان يمثلان رؤية المجتمع الدولي ويحفظا للشعب الفلسطيني حقوقه السياسية في دولة فلسطينية مستقلة على حدود حزيران ٦٧، وأصبح تيار التسوية السياسية هو المسيطر على المزاج الفلسطيني الرسمي داخل منظمة التحرير ويزداد قوة. كما دفع انهيار القطبية الثنائية كمتغير دولي وحرب الخليج الثانية كمتغير اقليمي منظمة التحرير للانخراط في عملية التسوية السياسية برعاية الولايات المتحدة بداية التسعينيات.

ويبدو أن بروز حركة حماس أواخر الثمانيات زاد التباين والفرقة في الموقف الفلسطيني الداخلي، واستشعرت قيادة منظمة التحرير بمنافسة حركة حماس، وكان ذلك واحد من دوافع منظمة التحرير لتبني مبادرة السلام الفلسطينية ووثيقة اعلان الاستقلال عام ١٩٨٨.

انخرطت القيادة الفلسطينية في مفاوضات مدريد ثم أوسلو وعينها صوب انجاز حلم الدولة، وحتى اتفاق أوسلو الذي عارضته حماس بشدة وانخرطت عمليا في افشاله لم يسقط  أي من الثوابت الفلسطينية المتوافق عليها وطنيا، بل مثل مشروع سلام شامل يحقق الدولة الفلسطينية التي اجتمعت اركانها لأول مرة (الارض الشعب السلطة والسيادة)، ولو بشكل جزئي، ولأول مرة يتعامل الفلسطيني بمفاهيم دولانية مثل: جواز السفر والمطار والمؤسسات والمنهاج الفلسطيني .. الخ.

افشل تطرف الصهيونية الدينية اتفاق السلام الذي يحقق سلام وأمن الشعبين، مستغلا عمليات حماس التفجيرية مبررا للانقضاض على اتفاق أسلو وأي منجز فلسطيني أو رمز للدولة، فيما عززت اسرائيل التناقض بين تيار المقاومة العسكرية وتيار التسوية السياسية، واستغلت ذلك للتنصل من التزاماتها بموجب اتفاق أوسلو.

في المقابل، تمسكت منظمة التحرير في كل مراحل النضال الفلسطيني ولغاية الآن بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. على منحى آخر  رفض الرئيس عباس ادانة احداث ٧ اكتوبر  واعتبرها رد فعل على التطرف الاسرائيلي والاستمرار في التنكر للحقوق الفلسطينية، كما تمسك بضرورة وقف الحرب على غزة واطلاق مشروع سياسي شامل يضمن الحق الفلسطيني في دولة مستقلة، وذلك بعد دمج حركة حماس في منظمة التحرير  التي ستقود المفاوضات، بعد التوافق على برنامج وطني وتحقيق وحدة وطنية في الرؤية والموقف.

وقد دفع الرئيس عباس والسلطة الفلسطينية ضريبة لموقفها هذا، وتزايد التحريض الاسرائيلي ضد السلطة ورفض أي دور لها في غزة بعد الحرب، بالإضافة لعقوبات مالية وعملياتية وسياسية بهدف محاصرة السلطة في الضفة ودفعها نحو الانهيار.

في المقابل، تبدو مخرجات لقاءات موسكو وبكين صورية أمام اصرار حركة حماس على التفرد بقرار السلم والحرب والالتزام بمحاور اقليمية أو أجندات خارجية على حساب الموقف الوطني، وهي تقود منفردة مفاوضات غير مباشرة؛ سقفها الاعلى وقف إطلاق نار دائم، والانسحاب من قطاع غزة وصفقة تبادل أسري، بالإضافة لعودة النازحين واعادة اعمار غزة.

وكان يجب على حركة حماس أن تضع انجازها العسكري في إطار وطني وسياسي شامل يحافظ على وحدة الساحات الفلسطينية ويوقف الاعتداءات الاسرائيلية في القدس والضفة وغزة معا، والتأكيد على وحدة الدم والموقف الفلسطيني بدلا من خوضها منفردة مفاوضات لم تتحدث عن القدس أو الدولة أو حق تقرير المصير، وعليه يجب ألا يكون مشروع حماس السياسي محصور في حكم قطاع غزة على حساب الهموم والمصالح العليا لشعبنا.

وهنا تبرز مفارقة غريبة مفادها أن احداث ٧ أكتوبر، حركت الرأي العام لصالح الحقوق الفلسطينية والواقع أن حرب الابادة والمجازر الاسرائيلية بحق الفلسطينيين في غزة هي من حركت الرأي العام العالمي لمناصرة الحقوق الفلسطينية واعادت القضية الفلسطينية الى واجهة اهتمام العالم. وها هي الدبلوماسية الفلسطينية تحقق مزيدا من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية خصوصا بعد تصويت ١٤٣ دولة لصالح منح دولة فلسطين عضوية كاملة في الامم المتحدة وتزايد الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى