انهاء العلاقة التعاقدية مع الاحتلال خيار لابد منه

اتخذت حكومة نتنياهو مجموعة من الإجراءات الرامية الى تصفية القضية الفلسطينية منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر العام الماضي، والتي اعتبرتها تلك الحكومة فرصة ليس للتخلص من (حل الدولتين) الذي بمقتضاه تقوم دولة فلسطين الى جانب (دولة إسرائيل) باعتبارها خطراً استراتيجياً على أمن ومستقبل(إسرائيل)، وإنما أيضا لتقويض مكانة السلطة الوطنية الفلسطينية وعمل كل ما من شأنه لانهيارها حتى لا تشكل مؤسساتها وهياكلها الأساس المادي للدولة الفلسطينية.
لماذا الكيانية الفلسطينية مطلوب تصفيتها؟، لأنها العنوان السياسي والقانوني والدبلوماسي للشعب الفلسطيني والمجسدة لهويته الوطنية الجامعة، وكما هو حال كل الاستعماريين السابقين وغلاة التطرف والميز العنصري، لم يتعلم نتنياهو الدرس التاريخي انه لا يمكن محو تاريخ الشعوب وهويتها وثقافتها وهو ما فشلت به الحركة الصهيونية عام 1948 بارتكاب حرب الإبادة والتطهير العرقي التي أطلقنا عليها اسم النكبة، وهو ما نجحت به الحركة الوطنية الفلسطينية بالمأثرة الهامة والمركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث انتزعت الاعتراف العربي والدولي باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ونحن اليوم في ذكرى تأسيسها الستين .
استمرار حرب الإبادة على غزة ورفض وقف اطلاق النار والإصرار على أن أي خطة لليوم التالي لن تعود السلطة الوطنية لحكم غزة، يعني مباشرة أنه يرفض وحدة الأراضي الفلسطينية والولاية الجغرافية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية عليها طبقاً للاتفاق الانتقالي، وسيواصل نهج فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس كما فعل في تعزيز الانقسام وتقديم كل التسهيلات للحفاظ عليه من جهة، ومن جهة أخرى مواصلة حرب العدوان والتطهير العرقي على الضفة والقدس التي تصاعدت بشكل غير مسبوق مترافقاً مع قرار الغاء قرار فك الارتباط الذي اتخذته حكومة شارون عام 2005 الذي سمّي حينها بخطة الانطواء، والمعنى الحقيقي لهذا القرار هو عودة الاستيطان لشمال الضفة ولقطاع غزة.
علاوة على توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي وخطة ضم جنوب الخليل الى ما يسمى النقب الكبرى، علاوة على اصدار أوامر لبناء 52 تجمعاً سكانياً جديداً للمستوطنين بالضفة الغربية.
إلغائه للترتيبات الأمنية المشتركة من الاتفاق الانتقالي أيضا، وأخذ زمام الأمن والإجراءات الأمنية بيده في أرجاء الضفة الغربية بالاجتياحات اليومية للمدن والقرى والمخيمات وإطلاق العنان لميلشيات المستوطنين العاملين تحت امرة جيشه، وأخيرا مصادرة أموال دافع الضرائب الفلسطيني التي تجبيها (إسرائيل) بموجب اتفاق باريس الاقتصادي وتأخذ عليها عمولة 3%، وهو ما تبقى عملياً من الاتفاق، وهذا الاجراء يعتبر شكل من أشكال القرصنة، الهدف منه كما يعلن شريكه ووزير ماليته سموتريتش عقاب للسلطة الفلسطينية لتوجهها للمحاكم الدولية والعمل على انهيارها مالياً، ومن ثم تقويض مؤسساتها واقعياً وإشاعة الفوضى في انحاء الضفة لفرض الأمن بقوة جيش الاحتلال.
حكومة نتنياهو وشركائه الفاشيين الجدد اتخذت قرارها المنسجم مع برنامجها الذي أعلنت عنه منذ تسلمها للحكم وهو مشروعها المعروف بحسم الصراع الجاري تطبيقه الآن بالضفة والقدس وقطاع غزة.
السؤال المطروح بعد كل هذه الإجراءات الأحادية الجانب والتي تلغي كل الاتفاقيات الانتقالية، هل سنبقى الطرف الوحيد الملتزم بهذه الاتفاقيات في الوقت الذي يتنصل الاحتلال منها؟.
ما هي الخطوات العملية الملموسة التي تحافظ على الكيانية السياسية الفلسطينية؟، وتستفيد من الزخم الدولي المتصاعد الداعم والمؤيد للحق الفلسطيني، سواء بالاعترافات الثنائية أم بالأمم المتحدة، أو بالمحاكم الدولية، ولا يضعنا في مواجهة مع الأصدقاء.
كيف نستفيد ونثمر هذه الإنجازات ونعمقها وننتقل بها الى حمل المجتمع الدولي للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية الى تمرير حصول فلسطين على عضوية الدولة بالأمم المتحدة؟.
كيف من الممكن أن نبني على هذا الزخم والاعترافات بالذهاب لخطوة تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية المعترف بها طبقاً لقرارات الشرعية الدولية.
كيف نخوض معركة تجسيد الدولة بمؤسساتها الدستورية بإعلان دستوري يحدد هوية الدولة وطابعها التعددي الديمقراطي، ويحّول المجلس المركزي بأول اجتماع له الى برلمان مؤقت لهذه الدولة.
وكيف نصوغ وحدتنا الوطنية على قاعدة المحددات السياسية التي رسمها برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، والشراكة السياسية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.
نقول ان ذلك ممكناً ونستطيع فعلها، لكن ذلك مشروط بوحدتنا ووحدة ارادتنا والالتفاف حول برنامجنا الوطني الجامع والموحد.
نعم نستطيع، وهناك فرصة تاريخية تلوح بالأفق، وعلى قيادة حركة حماس اغتنامها وحسم خيارها مع إصرار الأصدقاء بجمهورية الصين الشعبية على استضافة الحوار الوطني الفلسطيني على أراضيها، فإما أن تكون جزء من الشرعية الوطنية الفلسطينية وشريكاً في صنع الاستقلال لا سيما وبعد وفف العدوان سيجري تقييم للموقف ولحسابات الربح والخسائر.
نضال الشعب