لبنان.. خلط للأوراق وتفاوض تحت النار


بقلم: د. فريد اسماعيل
منذ إعلان الولايات المتحدة الأمريكية وإيران موافقتهما على وقف اطلاق النار وتعليق الأعمال العسكرية لفترة أسبوعين، اختلطت الأوراق في لبنان وازدادت تعقيدا. كل طرف قدم سرديته المتناقضة مع الأخرى. فبينما أعلنت الإدارة الأمريكية ان لبنان خارج نطاق الاتفاق، أكدت طهران أنه جزء من التوافق وفي صلبه. هذه الاعلانات المتضاربة والحديث عن بنود متباينة في المسودات المسربة حول الاتفاق الامريكي الايراني مثلت مؤشرا على ضبابية وهشاشة هذا الاتفاق، واعطت هامشا لكلا الطرفين للتلاعب بمضمونه عند أي محطة مناسبة، كما منح الفرصة لشراء الوقت من خلال اختلاف فهم كل طرف لمندرجات التوافق قبل الدخول في البنود التفصيلية وآلية تنفيذها. وقد ظهر هذا الوضع جليا بعد ساعات قليلة من الاتفاق المبدئي، حيث أعلنت الولايات المتحدة أن ما تقوله إيران لهم يختلف عما تعلنه، في الوقت الذي تتهم فيه إيران الطرف الآخر بخرق بعض بنود الاتفاق وبالتحديد فيما يتعلق بالوضع في لبنان. ولذلك لم يكن من المتوقع ان تنتج جولة المفاوضات التي جرت في باكستان بين الجانبين الامريكي والايراني مخرجات حقيقية. فاتفاق تعليق الأعمال العسكرية لفترة أسبوعين بين الطرفين يمثل خطوة أولية ومحدودة، يتضمن مبادىء عامة ولا يمثل اتفاقا شاملا مكتمل العناصر والأركان، فالشيطان يكمن في التفاصيل وهذا ما ظهر في اسلام اباد، إلا ان تداعياته على الساحة اللبنانية كانت كارثية. فبينما كان الايرانيون يحتفلون بوقف إطلاق النار، ارتكبت إسرائيل خلال دقائق معدودات، عشرات المجازر على امتداد لبنان حصدت أرواح مئات المدنيين الأبرياء في بيروت ومختلف القرى والبلدات اللبنانية، كانت من ضمن أهدافها توجيه رسالة لاطراف عدة وعلى وجه الخصوص لإيران، بأن حربها مع الحزب منفصلة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، والتأكيد بالنار، بأن لبنان خارج نطاق الهدنة مع إيران، وذلك أيضا لقطع الطريق أمام طهران للامساك بالورقة اللبنانية كأداة ضغط في مسار التفاوض الامريكي الايراني الذي يحاول نتنياهو عرقلته من خلال التصعيد في لبنان.
ولذلك فإن إعلان نتنياهو الموافقة على الدخول في مفاوضات مع لبنان مع مواصلة القتال وإن بوتيرة منخفضة، يكون قد سحب الملف اللبناني من يد المفاوض الإيراني، مع سعيه لخلق مشكلة داخلية بين الدولة اللبنانية وحزب الله تبدأ في مسار التفاوض ولا تنتهي بنتائج المفاوضات، ويعمل الإسرائيلي على تفاقمها الى حد صراع داخلي جاذب لكل أدوات التسعير الطائفي والعقائدي والمذهبي في ظل تصاعد فلسفات التخوين واستسهال إطلاق الاتهامات والفرز العشوائي بين الوطني والعميل لمجرد الخلاف في الرأي، وهو ما وجد له انعكاسا في تجمعات نظمها أنصار حزب الله في ١٤-٤-٢٠٢٦ أمام القصر الحكومي وبعض أحياء العاصمة بيروت.
لبنان العالق بين إيران التي تحاول ترميم محورها في المنطقة من خلال امساكها بورقة حزب الله ومحاولتها الإمساك من خلال ذلك بالورقة اللبنانية، عملا بمقولة “وحدة المسار والمصير” التي كانت من ابتداع النظام السوري السابق، وبين إسرائيل المستمرة في تنفيذ مشروعها التوسعي ومناطقها العازلة في قطاع غزة والجنوب السوري ولبنان، يحاول ورغم ندرة الأدوات، لملمة أوراقه المبعثرة بين الغام الضغوط الداخلية والخارجية. فقد نقلت صحيفة الجمهورية من مصدر سياسي بارز تأكيده ان اتصالات موثقة أجريت في أكثر من اتجاه مع أكثر من طرف دولي وعربي، افضت إلى تحقيق مظلة دبلوماسية مساندة لموقف لبنان الرسمي فيما يتعلق بوقف إطلاق النار والتفاوض. وقد أشارت المصادر إلى أن السفير الامريكي في بيروت ميشال عيسى استطاع خلال تواجده في واشنطن أن ينقل الملف اللبناني الى دائرة الإهتمام داخل الإدارة الأمريكية، ونجح باقناع فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرورة إدخال لبنان في الحسابات السياسية والأمنية للمرحلة المقبلة. وقد أتى هذا التحرك استجابة لطلب لبنان الذي دفع باتجاه مسارين: أولا، إطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وثانيا، العمل على وقف لاطلاق النار. وفي هذا السياق، استضافت واشنطن اجتماعا تمهيديا يوم الثلاثاء ١٤-٤-٢٠٢٦ على مستوى السفراء في مكتب وزير الخارجية ماركو روبيو، في خطوة تمهيدية لمسار مفاوضات مباشرة بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي . كما كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤول إسرائيلي بأن حدة الهجمات على لبنان ستخف وتيرتها استجابة لطلب الرئيس الأميركي ترامب، في مؤشرات إلى تفاعل تل ابيب مع الضغوط الأمريكية، وهو ما أكدته لاحقا القناة ١٣ الإسرائيلية، ما دفع إسرائيل إلى وقف هجماتها على بيروت والضاحية منذ ذلك الحين ، مع استمرارها في الجنوب ومناطق أخرى.
في الواقع، فإن الولوج في هذا المسار يفتح نافذة دبلوماسية قد تقلص احتمال التصعيد العسكري وترسم خطوات لخفض التوتر، لكنه لا يضمن حلا سريعا للاشكالات العالقة والعميقة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي أو حتى في الداخل اللبناني الغارق في الرؤى المتناقضة حول سلاح حزب الله ودوره. لذلك لا زال من المبكر حتى الآن قراءة ما يمكن أن تتمخض عن هذا المسار من مخرجات تتأرجح بين النجاح الجزئي المحدود، والتعثر، وبين استخدامها تكتيكيا من خلال تفاهمات سطحية تنتج تهدئة مؤقتة، لكنه لن يكون قادرا على إنتاج اتفاق سلام شامل بين إسرائيل ولبنان ما لم تحل أولا قضايا أساسية على الصعيد المحلي والعربي والاقليمي، أساسها توافق داخلي لبناني يتطلب خطوات سياسية وأمنية وضمانات اقليمية ودولية متزامنة مع حل القضية الفلسطينية في إطار عربي اقليمي أوسع ومسار دولي فعال. فالسلام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يكون شاملا أو دائما من دون حل عادل للقضية الفلسطينية، إذ أنها ورغم كل المتغيرات التي تعصف بالعالم وبالمنطقة، تبقى هي جوهر الصراع ومفتاح الاستقرار الاقليمي، واي اتفاقات جزئية أو ثنائية تبقى هشة وقابلة للانهيار ما لم تتم معالجة القضية المركزية التي تغطي المساحة الأوسع في الوعي الجمعي العربي، إذ أن فلسطين وقضيتها تبقى مصدر الشرعية لأي اتفاق، واي محاولات لتجاوزها أو تأجيلها قد تنتج تهدئة مؤقتة، لكنها ستظل مهددة بالانهيار عند أول أزمة جديدة. فأصل الحكاية فلسطين، ومفتاح الحل فلسطين.