اعلن هنا
اعلن هنا
مطبخ

انتحال أطباق الطعام الفلسطينية في”المطبخ الإسرائيلي”

اعلن هنا

تتميز الشعوب منذ الأزل بعاداتها وتقاليدها التي تميزها عن غيرها من الشعوب الأخرى، وتعتبر هذه العادات بمختلف أنواعها وأشكالها الخزان الثقافي والتاريخي لهذه الشعوب، تكسبها خصوصيتها وجمالها ولونها الخاص من ضمن مجموعة الألوان الجميلة المختلفة والتي تشكل في مجموعها خليطا واسعا لشعوب كوكب الأرض.

ألوان قوس قزح هذه، التي لا يقتصر تعدادها على الألوان السبعة العادية، بل تتسع وتتمازج بشكل كبير لتقدم الكثير من الغرائب والعجائب الثقافية من الرقصات إلى الأغاني واللباس وغيرها الكثير وصولا إلى الأطباق، أو الأطعمة المطبوخة والمحضرة والتي ورّثتها الشعوب جيلا بعد جيل لأبنائها، لتدخل ضمن قوائم الإرث الثقافي غير المادي الخاص لهذه الشعوب، الأمر الذي قد يمنحها خصوصية كبيرة أيضا بالنسبة للمواطنين.

صدام الحضارات يصل إلى وجبات الطعام!

يبدو أن البروفيسور والعالم من جامعة هارفارد، صامويل هنتنغتون (Samuel P. Huntington)، كان محقا عندما رد عام 1993 بمقال خاص على أطروحة تلميذه، عالم الاقتصاد والكاتب فرنسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، التي حملت عنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” والتي دحض فيها هنتينغتون فكرة فوكوياما التي أشار فيها إلى أنه في نهاية الحرب الباردة ستكون الديمقراطية الليبرالية هي الشكل الغالب على أنظمة العالم، حيث أكد هنتنغتون في مقال حمل عنوان “صراع الحضارات” (The Clash of Civilizations) نشر في “فورين أفريز” وبعدها بكتاب خاص حمل عنوان (صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي)، أن صراع الحضارات سيختلف ويأخذ أشكالا مختلفة، وهو ما نشاهده اليوم في أكثر من مكان بدءا من الصراع من أفغانستان إلى العراق وصولا إلى ليبيا وغيرها… لكن أن يصل الصراع إلى وجبات أو أطباق الطعام، فهذا يؤكد نظرة هنتنغتون الصحيحة لهذا العالم الغريب والعجيب.

وجبات عربية مسلوبة الهوية

خلال السنوات الأخيرة انتشرت بعض المطاعم التي تقدم وجبات عربية شهيرة حول العالم، لكنها نسبت إلى ثقافات أخرى بشكل غريب، حتى أن بعض تلك الأطعمة يباع في التجمعات التجارية الضخمة، لكن للأسف مسلوبة الهوية، هويتها الثقافية على الأقل.

الترويج الغريب من قبل بض الدول لوجبات عربية شهيرة على أنها وجباتها التقليدية، ظاهرة باتت منتشرة في أغلب دول العالم، لتكشف عن وجه جديد لصراع الحضارات الذي تحدث عنه هينتنغتون، على سبيل المثال لا الحصر، سلطت الكاتبة الفلسطينية ريم قسيس في مقال لها نشر في صحيفة “washingtonpost” الأمريكية على ظاهرة نسب بعض الأطباق الفلسطينية للثقافة الإسرائيلية في المطاعم الأمريكية، وهي وجبات شهيرة في الشرق الأوسط وقديمة جدا، مثل أطباق الحمص والتبولة والفريكة، ولا يقتصر هذا الفعل على تلك الوجبات بل يمتد إلى الكثير من الأطباق الشهية التي باتت منتشرة في أغلب دول العالم، مثل الكبة والكباب، على سبيل المثال لا الحصر.

وفي هذا المقال المقتضب نحاول قدر الإمكان تسليط الضوء على بعض المراجع القديمة التي نسبت هذه الأطباق إلى منطقة الشرق الأوسط بمجملها، أي المنطقة التي تمتد جغرافيا من العراق وصولا إلى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومصر والخليج العربي، وقد تمتد إلى تونس والجزائر وليبيا والمغرب في الوطن العربي، مع ملاحظة مهمة جدا، تتمثل بأن هذه الأطباق أو الوجبات شائعة منذ القدم بين أولوان الطوائف المتمازجة في هذه المناطق والتي عاشت منذ آلاف السنين جنبا إلى جنب.

المرجعية التي سيتم تسليط الضوء عليها تتعلق بشقين أساسين، الأول هو الأصل اللغوي للكلمة والتي قد تعطي مؤشرا مهما لهويتها، والثاني هو الكتب المنشورة سابقا التي وردت فيها بشكل أو بآخر، وهما كتابا “الطبيخ ومعجم المآكل الدمشقية” (623 هجري، الموافق لـ 1226 ميلادي) للكاتب محمد بن الحسن بن الكاتب البغدادي، الذي أعاد تقديمه الكاتب السوري ابن دمشق، فجري البارودي، وكتاب “كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات مما استخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب” (940 ميلادي) للكاتب أبو محمد المظفر بن نصر بن سيّار الورّاق، الذي عاصر فترة الخلافة العباسية، وهما مرجعان أساسيان في العالم للطبخ القديم.

الحمص… طهاه العرب واستخدم في الوصفات الطبية

أثار موضوع صحن الحمص الكثير من الجدل، قبل أعوام خصوصا بين لبنان وإسرائيل، وبغض النظر عن هذا الجدل “البيزنطي”، لكن الحمص موجود في المعاجم العربية القديمة، ومنها معجم المعاني الجامع وأتى حرفيا (الحِمَّصُ : نبات زراعيّ عُشْبيٌّ حَوْلِيٌّ حَبِّيٌّ من القرنيات الفراشية).

بالإضافة إلى ذلك، ورد ذكر تحضير الحمص نظرا لفوائد الطبية في كتاب بن سيار الوراق، حيث استخدم بعد غليه في الماء، أما الحسن البغدادي فقد وصفه بالاسم “الحمص بالزيت” وشرح طريقة تحضيره أيضا بالتفصيل.

الفول… أخذه العرب مع طبق الحمص إلى إسبانيا

أشار موقع “spainthenandnow” الاسباني إلى أن العرب جلبوا معهم أطباقا شهية قدمت على الموائد الفاخرة إلى إسبانيا أو (الأندلس كما أطلق علها العرب) واستخدمت هذه الأطباق والوجبات الشهية كطريقة للمفاخرة أمام الضيوف والزوار.

وأشار الموقع إلى وجود كتابين عربيين مهمين جدا للطبخ عثر عليهما في الأندلس، هما “بهجة المائدة في ملذات الطعام والأطباق المختلفة” (428 وصفة طبخ) لابن رزين التُقبي (1227-1293). ولد الباحث ابن رزين في مرسية، وانتقل إلى سبتة عبر مضيق جبل طارق في عام 1248.

تضمن الكتاب 428 وصفة مرتبة بعناية فائقة مقسم إلى 12 فصلا، تتناول الخبز والمعكرونة والشوربات واللحوم والطيور والأسماك والبيض ومنتجات الألبان والخضروات والبقوليات (مثل الفول والحمص أي الوجبات الشهيرة)، والحلويات والأطعمة المخللة والخل، والكركند أي جراد البحر والروبيان. كما تضمن الجزء الأخير (القسم الثاني عشر) تحضير الصابون، حيث خصص الكاتب جزءا هاما يتعلق بنظافة الطعام وفنون الطهي النظيف بالإضافة إلى الآثار الطبية لبعض الوجبات.

أما كتاب الطبخ الثاني الموجود فهو لمؤلف مجهول الهوية، وهو عبارة عن شرح مفصل للوجبات وفن الطبخ في المغرب العربي والأندلس خلال الحكم الإسلامي ويعرف أيضًا باسم “كتاب الطبخ الأندلسي المجهول” من القرن الثالث عشر.

وبحسب المصدر، احتوى كتاب الطبخ الأندلسي على 500 وصفة (وجبة)، لها صبغة دولية واضحة مع أطباق معترف بأنها من مجموعة متنوعة من المصادر، على سبيل المثال جمعت من مصر وسوريا والمغرب والجزائر وصقلية وتونس، وهي الصبغة الدولية التي تحدث عنها الكاتب، أي قصد بها صبغة شرق أوسطية من المنطقة العربية.

وبالعودة إلى الفول، فقد ورد ذكر الفول في قاموس المعجم الوسيط واللغة العربية المعاصر والرائد ولسان العرب والقاموس المحيط، وورد وصفه كالتالي (الفُول: حَبٌّ كالحِمَّص (أي أن الحمص كان موجود أيضا في الطبخ)، وأَهل الشام يسمون الفُول البَاقِلاًّ،الواحدة فُولة؛ حكاه سيبويه وخص بعضهم به اليابِس)، ووصف أيضا بالشكل التالي (نَبَاتٌ عُشْبِيٌّ مِنْ فَصِيلَةِ الْقَطَانِيَّاتِ، يُؤْكَلُ أَخْضَرَ وَ يَابِساً وَنَيِّئاً مَطْبُوخاً) وأتى وصف بائع وجبة الفول أيضا (الفوّال).

“الكباب”… العرب كبكبوا الغزلان

تنتشر وجبة الكباب في الكثير من بلدان العالم حاليا، وينسبها الكثيرون إلى ثقافتهم، أدخل علها الكثير من التعديلات، لكن وجبة الكباب وردت لدى الحسن البغدادي والوراق واشتهرت هذه الوجبة بين العراق وحلب والشام، بالعودة إلى المرجع اللغوي للكلمة، فإن كلمة كباب عربية المنشأ، ووردت في معجم المعاني الجامع (كَبَّبَتِ الغَزْلَ : جَعَلَتْ مِنْهُ كُبَّةً) ووردت أيضا في وصف حالة الالتفاف (تكَبَّبَ فلانٌ: تلفَّف في ثوبه)، أي مشابهة لحالة لف الكباب حول السيخ.

ويعتبر شي الطعام قدم جدا، يعتقد العلماء أن أشباه الإنسان الـ”هومونين” استخدموا النار والطبخ في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط قبل 790 ألف عام، وتشير “الموسوعة الحرة” إلى أن هوميروس ذكر في إلياذته الشهيرة قطع اللحم المشوي.الجدير بالذكر أن الكتب التي عثر عليها في الأندلس أشارت طبق أطلق عليه اسم زرياب يتضن تعليمات كيفية تحضير لحم الضأن بالملح والبصل وبذور الكزبرة والفلفل والكراوية وملعقتين من الزيت واللوز والخبز، فيما يشبه وصفة الكباب، أي قبل 700 عام من الاحتلال العثماني للبلاد العربية.

كما أن المصدر الإسباني أشار إلى أن “شطرة الجبن” ابتكرت في غرب الأندلس، وتمت الإشارة مبتكريها حيث ذكر أن فطيرة الجبن اختراع موسة بن الحاج.

“المقلوبة”… الانتقال من حال إلى حال

اشتقت تسمية المقلوبة من مصطلح فقهي، وجاءت في معجم لمعاني الجامع على الشكل التالي، ‏(مقلب القلوب‏:‏أي مغيرها ومحولها من حال إلى حال)، ومن هنا استمدت هذه الوجبة اسمها، حيث يقلب الطبق وينتقل من حال إلى حال، فما كان بالأسفل يصبح في الأعلى، وردت أيضا (قَلَبَ الْمَوْضُوعَ رَأْساً عَلَى عَقِبٍ: غَيَّرَهُ)، أي أن الكلمة عربية المنشأ، لكن أيضا ذكرت المقلوبة ووصفت بشكل دقيق جميع الكتب السابقة بالاسم ووصف طرقة طهيها.

“الكبة” الحلبية… وجبة آرامية يظن بعضهم أنها تركية

الكبّه هي طبق سوري أصيل قدم جدا يتجاوز عمره 3000 عام، وحملت اسمها من عملية التكوير، أو “مكوّرة”، أو “الكبتوله”. بحسب المعاجم العربية فإن فعل “الكبكبة” موجود في الكلمات المتداولة في سوريا ولها مصدر آرامي وعربي أيضا بصيغة “كُب” ومنه اسم طبق الكبّه وكبكوبة الصوف أيضا وكذلك اسم الكباية (كأس الماء)، بحسب الباحث العربي مؤنس البخاري المتخصص بتاريخ الطهي وتراثه.

وورد ذكر الكبة في كتاب الوجبات الدمشقية لفخري البارودي، حيث أشار أيضا إلى نوع من أنواع الكبة التي تحمل اسم “دبابة” بسبب حجمها الكبير حيث تحضر بنفس طريقة الكبة العادية مع الكثير من الدهون، ولا يوجد سوري أو لبناني أو عراقي لا يعرف مذاق هذه الوجبة ذات “الدهون المشبعة” التي لا يوجد لها مثيل آخر في العالم.

الفتوش والتبولة… أطباق شرق أوسطية ولبنانية شهيرة

بحسب تلفزيون “إل بي سي” اللبناني، فإن أكلة الفتوش لبنانية الأصل، ظهرت في عام 1862  عند تقديمها من قبل عائلة فتوش (من عرب الجزيرة اعتنقوا المسيحية قديما) في لبنان بسبب عند استقبالهم بعض أفراد الطائفة المسيحية في لبنان بعد استهدافهم من قبل بعض أطياف المنطقة فتوجهوا إلى زحلة وتحديدا إلى عائلتي آل السكاف وآل فتوش .

وبحسب المصدر استقبلت آل فتوش العائلات بموائد من اللحوم، لكن الضيوف كانو قد نذروا على أنفسهم الصوم (فترة الصوم الكبير) حتى الوصول إلى بر الأمان، لذلك لم يتناولوا اللحوم، واكتفوا بما وجدوا من خضار وأكلات نباتية وشملت ضيافة آل فتوش أطباقا كالتبولة والمتبل والبامية وسلطات الخضار، فأخذ بعض المدعوين يأكل من أطباق السلطات مغمسا بالخبز.. ما اثار دهشة أحد الحاضرين من آل سكاف الذي توجه الى صحاب الدار ضاحكا: “فتوش، شوف ضيوفك عم ياكلو السلطة بالخبز. هيدي أكلة جديدة”.حينئذٍ، قال البطريرك غريغوريوس يوسف رئيس بطريركية أنطاكية والإسكندرية واورشليم وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك: “خلص منسميها فتوش، ومناكلها بأيام الصوم الكبير”.

وعلى الرغم من ذلك، ذكرت السلطات بأنواع مختلفة في معجم المآكل الدمشقية وتتشابه طرق تحضيرها مع الفتوش والتبولة.

وبحسب المصادر فقد ظهر طبق التبولة في المخطوطات الأكادية، وأخترع في العام 1800 قبل الميلاد، من قبل الكلدانيين الذين يعيشون في بلاد ما بين النهرين، (العراق حاليا) ثم سافر عبر التاريخ والجغرافيا نحو بلاد الفينيقيين واستقرّ قرب شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وفق المصادر التاريخية التي نقل عنها موقع “العربي الجديد”.

وتدر الإشارة إلى أن اسمها الحالي يعود إلى كلمة “توابل”، أي “تبل” الشيء، وقد تكون استمدت تسميتها من عملية تتبيل مكوناتها أو لأن مكوناتها متنوعا كما تتنوع التوابل “الشكلة”.

الأطباق مزيج من الحضارات

على الرغم من البيانات السابقة، وعدم إمكانية حصر الأطعمة في هذا المقال الصغير، كالكبسة والمنسف وبابا غنوج وغيرهم الكثير، إلا أنه من غير المنطقي عدم الإشارة إلى أن هذه الأطباق شهدت تعديلات كثيرة عليها، ربما ظهرت في مناطق وشعوب أخرى، حيث تظهر وجبة “الورق عنب” في المناطق العربية بطرقة مختلفة عن الطبق المقدم والمشابه في مناطق شرق آسيا، لذلك فإن تمازج الشعوب والحضارات أدخل لمساته الفريدة على بعض الأطعمة، لكن ظهور مطاعم تقدم وجبات عربية شهيرة وتنسبها إلى دول أو شعوب أخرى؛ هي حالة غير منطقية ويجب التوقف عندها.

وأسهم الترويج الغريب لبعض الطهاة من مشاهير السوشيال ميديا، من أبطال رش الملح والتقطيع وغيرهم، أسهم في تعزيز هذه الأفكار والمعلومات الخاطئة حول هذه الأطباق في المنطقة العربية على أنها ليست عربية، وهي حالة تضاعف من حجم المشكلة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المشكلة الحقيقية هنا ليست بالطبق أو تناوله أو من يقوم بتحضيره، بل المشكلة تتمثل بثقافة وحضارة منطقة كاملة تمتد من العراق إلى كامل سواحل المتوسط تصل إلى المغرب العربي، تخسر نتاجها الثقافي الذي توارثته وتناقلته الأجيال، حيث من الممكن أن تتحرك عدة دول عربية مجتمعة وتعمل على توثيق هذه الوجبات في قوائم التراث غير المادي لشعوب المنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock