اعلن هنا
اعلن هنا
أقلام وآراء

رحل أيقونة المقاومة الشعبية في الاغوار

اعلن هنا

بقلم : نائل موسى

ربما لا يتذكر كثيرون، ذلك الحضور المبكر والمتكرر للحاج سامي صادق، رئيس مجلس قرية العقبة الفلسطينية الشفاغوريه، على صدر صفحات الحياة الجديدة، اثر صولاته ضد الاستيطان، واليوم مر ربع قرن غير منقوص، ليعود يحتل عين المكان ولكن بفاجعة وفاته الصادمة لمريدي ورفاق المقاومة الشعبية.

قبل تلك المقابلة الصحفية في منزله بقرية العقبة بمحافظة طوباس، كنت التقيته غير مرة، في مقر اللجنة العامة للدفاع عن الأرض، وفي الفعاليات الميدانية، تلاها تواصل شبه يومي ومتى لزم ، لكن الحاج صادق أصر على زيارتي له في القرية التي تتعرض لخطر وجودي محدق للتعرف على مختلف التفاصيل وحجم المعاناة التي يجرعها الاحتلال للأهالي وما اعتقده من مخطط مبيت لدفع من تبقى الى الرحيل، فقد امن بأهمية الرسالة الإعلامية الواعية، في معركة القرية وبان الاطلاع عن كثب يسهل المهمة ويمنح الكتابة معنى ومغزى ذو مصداقيه تحتاجها المحطة المقبلة من النضال.

.. يومها لم أكن سمعت مثل كثيرين ربما، عن قرية العقبة نفسها، لأقدر أهمية تلك الزيارة ومقابلة ذلك الرجل لغرض النشر، مقارنة مع الوقت ومشقة السفر والكلفة التي ستبذل في سبيل إنجازها، لكن ايمان الرجل بقضية قرية وتحمسه في شرحها والدفاع عنها، لم يدع مجالا للتردد.

في تلك الفترة لم تكن المقاومة الشعبية بالمفهوم المتداول الان، مصطلحا سياسيا قد تبلور او تماسس بعد، واجزم ان الحاج صادق حينها لم يكن اضافه الى قاموسه السياسي البسيط، ولم يكلف نفسه عناء استحضاره واسقاطه على واقع حراك القرية، وعلى النقيض ربما أعطت الممارسة العملية في مواجهة ممارسات وسياسة الاحتلال الآخذة بالتطور شكلا وكما الفكرة والمعنى الذي يفهمه دون كلمات منمقة.

ولد الحاج سامي في عام 1955، في قرية “العقبة “، لعائلة مزارع تنحدر اصولها من القرية وظلت مرتبطة بالأرض كمصدر رزق، وتربت على التمسك بها كعادة وفكرة لم تستطع زعزعتها إجراءات الاحتلال المتصاعدة منذ عام 1967، وهذه الخلفية بعينها هي من رسم تلك الصورة للشاب وذلك التصور الانموذج للمقاومة الشعبية ذات الخصوصية المتعلقة بصاحبها.

بعد اربع سنوات من احتلال باقي الأراضي الفلسطينية، اقعد رصاص الاحتلال الشاب الذي رحل وهو يحمل قرب قلبه احداها، على كرسي متحرك لم يبرحه قط، لكن كرسي الإعاقة ذاته اضحى لاحقا بإرادة صاحبة الصلبة، رمزا لمقاومة القرية وتشبث أبنائها بارضهم واصرارهم على الصمود مهما غلت التضحيات.

لم تفت الإعاقة الحركية وحالة الشلل الدائم من عضد الشاب فانبرى يعوض عدم اكمال الدراسة بتلقي الدورات وخصوصا في مجال اللغات فأتقن الى جانب العربية العبرية والانجليزية التي سيحتاجها لاحق في خدمة قضية قريته واعلاء صوت أبناء شعبه على غير صعيد.

ومع تحوش غول الاستيطان لفرض وقائع على الأرض تملى على الحل النهائي، تنامت المبادرات الجماهيرية لموجهة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأرض وهدم المنازل ومن ضمنها ظهرت اللجنة العامة للدفاع الأرض ومقرها الرئيس في مدينة رام الله والتي سارع الراحل للانضمام اليها والمشاركة في فعالياتها الأسبوعية والأخرى الانية لمواجهة اعتداءات وإجراءات بعينها وبرز فيها.

واظهر الراحل شجاعة في وجه غول الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير المنفلت في الاغوار وتحديدا في قرية العقبة. حتى اضحى أيقونة المقاومة الشعبية ورمز من رموز عملها الذي بقي متمسكا صامدا في الدفاع عن الاغوار.

يوم قابلته هناك في بيته أشار الى الطريق الضيق الذي سلكته الى المكان  والموصل الوحيد الى اغلب المنازل  وهو يقول ممازحا، لو بكرت قليلا لما كان بوسعك العبور ، اذ تعطلت كالعادة احدى دبابات جيش الاحتلال واغلقته تماما وقطعت السبيل، وتابع بحس فكاهي يغص بالمرارة عرضنا اصلاح الدبابة لنتمكن من المرور، هذه المناورات التي تدنو من منازلنا يوما اثر اخر هدفها تنغيص والتكدير وجعل حياتنا اصعب وخلق جو رعب دائم يعزز الرغبة في النفوس للبحث عن السكينة والأمان والهدوء ولكننا هنا باقون حتى لو تطلب الامر اصلاح او جر او حتى قلب الدبابة.. الدبابة التي قاومها صامدا شامخا وتحداها على كرسيه متحرك اظهر على وهنه عجزها.

ولتقريب الصورة، تفع العقبة على منحدر يفصل غور الأردن عن سلسلة جبال الضفة الغربية الشمالية في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، وعلى بعد 15 كيلو مترا من الحدود الأردنية. في منطقة استراتيجية جعلتها محط أطماع، وهي محاصرة بقاعدتين لجيش الاحتلال، الذي يهدد بمسحها وطرد ما تبقى من أصحابها بعد رحل نحو 70 % منهم في عدوان 1967.

انخرط الراحل في المقاومة الشعبية مبكرا وامن بها كرسالة وواجب وقاد حملة حماية العقبة والاغوار والدفاع عن هويتها الفلسطينية “ وتعزيز صمود الأهالي التي تتعرض لمخطط تهجير.

ورأى الحاج صادق ان المقاومة الشعبية التي يفهمها ليست مظاهرات ومسيرات ووقفات وبيانات شجب على أهمية فقط، بل أساسها ربط الأرض وحمايتها بحياة أصحابها بمساعدتهم لتكون مصدر رزقهم ومعيشتهم وتعزيز صمودهم عليها وتسهيل حياتهم فيها بتوفير بنى تحتية وخدمات ومؤسسات ومن اجل ذلك طاف وسعى وألف كثير من المحافل والمنابر موضحا تارة، ومطالبا أخرى، واستطاع تحقيق الانجاز تلو الاخر وبالتوازي فضح سياسة الاحتلال لدى الراي العام الدولي وخلق ضغط وارباك دائم.

ولهذا الغرض، جاب الراحل على كرسيه كثير من الدول العالم وببساطته وعفويته عرى سياسة الاحتلال وفند روايته الزائفة واستطاع عرقلة مخطط تهجير ما تبقى من الأهالي، حتى باتت قصة قريته الصغيرة، معروفه محليا وإقليميا ودوليات ومحط اهتمام.

يوم التقيته في منزله كان فخورا بوصية والده له ولأخوته الذكور والاناث بالاعتناء بالأرض وعدم التفريض بها او اهمالها واليوم، بعد 25 عاما يأبى ان يرحل قبل ان يسلم الراية كما يليق بمناضل صلب وهب حياته لخدمة بلده ووطنه وقاد مسيرة عطاء على بوابة الاغوار.

.. رحل وهو يحمل الخلف ممن تجرعوا بخسارته الحزن والأسى وصية السلف بان الأرض هي العرض، فاستمروا حتى كنس الاحتلال.. مسيرة وجهت دور نضالي، ووصية لاقت الحب واحترام وتقدير مختلف المؤسسات والقوى والفعاليات، عزاؤها ان الموت الذي غيب الجسد، لم يخذله، وواراه حيث أراد في الثرى الذي بادله الخشية من الفراق بالعناق الابدي، والحب بالوفاء..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock