اعلن هنا
اعلن هنا
أقلام وآراء

شرارة التصدي للنكبة المتواصلة

اعلن هنا

القدس والشيخ جراح: شرارة التصدي للنكبة المتواصلة

بقلم: د. أحمد أبو هولي*

تختزل قضية حي الشيخ جراج مرارة النكبة المتوالية فصولاً والتي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني على أيدي المشروع الصهيوني الإستعماري الهادف إلى إقامة إسرائيل الكبرى على أرض فلسطين التاريخية بين البحر المتوسط ونهر الأردن، وعلى أنقاض الوجود الوطني لشعبنا.

سكان حي الشيخ جراح هم في الأصل لاجئون شُردواً قسراً خلال الموجة الأولى من التطهير العرقي عام 1948 من يافا وحيفا وقرى غربي القدس، وأقاموا في بيوت أجّرتهم إياها الحكومة الأردنية بالإتفاق مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” على أن تصبح ملكاً لهم بعد مرور فترة زمنية معينة.

وفي أعقاب الإحتلال الإسرائيلي للقدس والقرار اللا قانوني بضمها إلى دولة إسرائيل، بدأت محاولات تهجيرهم مجدداً من قبل جمعيات إستيطانية ادّعت أن هذه الأرض ملكية يهودية منذ العهد العثماني، ولأن القضاء الإسرائيلي هو جزء رئيسي من المنظومة الإستعمارية الهادفة إلى نهب الأرض وتشريد سكانها فقد اُستخدم هذا الإدعاء كحجة من أجل طرد السكان وهدم منازلهم في معركة قضائية وسياسية طويلة امتدت لسنوات، ونجحت في إخلاء بعض العائلات، وتوشك على إتخاذ قرارات مجحفة بحق العائلات المتبقية.

سكان الشيخ جراح إذن هم ضحايا التهجير والتطهير العرقي مرتين، وقضيتهم أيضاً نموذج لنظام “الأرباتايد” الذي تفرضه إسرائيل على أرض فلسطين بكاملها، فالفلسطينيون الذين تم الإستيلاء على أرضهم بعد ترحيلهم قسراً عام 1948 لا يحق لهم وفقاً للقانون الإسرائيلي المطالبة بإستعادة أرضهم وممتلكاتهم التي صودرت قسراً دون وجه حق، بينما المستوطنون اليهود يجري الأخذ بإداعاءاتهم بتملك الأرض وفقاً لحجج واهية ومزورة في كثير من الأحيان.

هذا لا يجري فقط في الشيخ جراح، وإنماً أيضاً في سلوان وفي الخليل وفي العديد من المناطق الأخرى التي احتلتها إسرائيل عام 1967، عانى أهلها على امتداد الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية من عمليات تطهير عرقي وتشريد قسري وهدم منازل والتعرض لعربدة وإرهاب المستوطنين بحماية مطلقة من جيش وجنود الإحتلال.

ولكن هذا الفصل الجديد من التطهير العرقي يجري في سياق مختلف عمّا كان عليه الأمر عام 1948، فهو من جهة يأتي كجزء من عملية منهجية تهدف إلى تهويد مدينة القدس وتكريسها كعاصمة مزعومة لدولة إسرائيل عبر رزمة من السياسات والقوانين الاستعمارية الهادفة إلى طرد السكان بما فيها هدم المنازل وتقييد منح تراخيص البناء، وسحب الهويات وفرض الضرائب الباهظة وغيرها، وهي سياسات تُوّجت بصفقة القرن التي أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون بدايةً لإنتزاع إعتراف دولي بالأمر الواقع الإستعماري المنافي للقانون الدولي. وهو يأتي من جهة أخرى في سياق تطورٍ نوعي لنضال التحرر الوطني الذي يخوضه الشعب الفلسطيني، يكمن في صلبه الصمود والبقاء والتشبث بالأرض ومقاومة عمليات التهجير التي يجري مواجهتها اليوم بروحٍ مشبعةٍ بالدروس المستخلصة من النكبة الأولى، روح الثبات والتصدي للمجازر والدفاع عن الأرض شبراً بعد شبر، بإعتبار ذلك الأساس في معركة السيادة وتقرير المصير.

هذه الروح تجلّت في المدينة القديمة بالخليل، وفي الخان الأحمر، وفي الأغوار، وبعلين و نعلين، وفي العديد من المواقع الأخرى لسنوات طويلة. ولكن لأن حي الشيخ جراح هو جزء من السور الواقي للمسجد الأقصى وحيث يتمحور الصراع على السيادة في القدس عاصمة الوطن ورمز الإستقلال، فلقد كانت معركة الصمود في الشيخ جراح والقدس بأكملها الشرارة التي أشعلت لهيب الإنتفاضة في كل فلسطين. كانت إسرائيل تحسبُ أنها توشك على حسم معركة سيادتها على القدس ففوجئت بإنتفاضة شعب فلسطين في اللدّ ويافا وأم الفحم والناصرة وعكا، الشعب الذي نهض كالعنقاء من رماد النكبة ليكمل مسيرة الإنتفاضة في الخليل ونابلس وجنين وطولكرم ورام الله، لتستكمل غزة دائرة التصدي،يوازيها مسيرة تحرك عارم للفلسطينيين أينما وجدوا في المنافي والشتات ومخيمات اللجوء في جميع أنحاء العالم.

فنكبة الشعب الفلسطيني ومحاولات تبديده ومحو وجوده الوطني تتجدد فصولها ويدفع ثمنها الفلسطيني سواء بوجود الإحتلال الإستعماري في الضفة الغربية وقطاع غزة أو بسياسات الفصل العنصري “الأبارتايد” والقمع والإهمال والإقصاء ضده في أراضي الـ48، أو بالمعاناة التي يكابدها ما يقرب من سبعة ملايين لاجئ فلسطيني يعيشون في المنافي ومخيمات اللجوء ويدفعون ثمن عدم الإستقرار، وهم يعانون كما يعاني اللاجئ في الشيخ جراح وقطاع غزة من لجوء ثانٍ وثالث بينما طموحهم هو العودة إلى الديار.

إن أبناء الشعب الفلسطيني الذين انتفضوا في أراضي الـ48 للوقوف إلى جانب أهلهم في القدس وغزة وللتعبير أيضاً عن حقهم في الحياة بكرامة ومساواة كمواطنين أصحاب الأرض، أو الذين انتفضوا في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة للدفاع عن حقهم في الوجود يواجهون جميعهم اليوم نفس آلة القمع الإسرائيلية، ويتعرضون لجرائم لم تتوقف منذ 74 عاماً لكنهم يتصدون لها بكل بسالة، فهذه ليست نهاية المعركة بل ما جرى يُثبت أن مشروع إسرائيل الكبرى هو مشروع محكوم بالفشل لأنه يتناقض مع مسار التاريخ.

إن فلسطين وهي تنعى شهداءها لأحرار العالم، وتدين جرائم الاحتلال في كل مكان فيها، وخاصة الذين قضوا في المجازر البشعة التي يتعرض لها شعبها في قطاع غزة لرفضه سياسات التهجير والاقتلاع في الشيخ جراح وتهويد القدس والأقصى، لن تكنّ أو تستكين حتى تنعم بالحرية، وتطالب عواصم العالم في هذه اللحظة التاريخية بالإصطفاف إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني، والتحقيق في مجازر الإحتلال ومحاسبتها على أفعالها الإجرامية وصولاً إلى إنهاء الإحتلال.

ولتسجل أن حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في الحرية والاستقلال والعودة هي حقوق غير قابلة للمساومة طال الزمن أم قصر، وقد آن الأوان لهذا لمجتمع الدولي أن يدرك هذه الحقيقة، وأن يضع حداً للنكبة المتجددة بوصفها جريمة مستمرة، وإنهاء الإحتلال وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي تعترف لشعب فلسطين بحقه في الإستقلال وسيادة دولته وعاصمتها القدس، وحق اللاجئين من أبنائه في العودة إلى ديارهم وفقاً للقرار الأممي 194. من دون هذا لن يكون ثمة سلام ولا إستقرار في العالم أجمع.

*د. أحمد أبو هولي: عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس دائرة شؤون اللاجئين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock